بتوقيت بيروت - 3/25/2026 8:02:15 AM - GMT (+2 )

كرج- مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أسبوعها الرابع، زارت الجزيرة نت سوق “غوهر دشت” الشهير بمدينة كرج (30 كلم) غربي العاصمة طهران والذي كان قبل شهرين مسرحا لاحتجاجات عارمة، بيد أن المشهد فيه أمسى مختلفا تحت القصف.
وعقب قضاء العطلة التي أعلنتها الحكومة حدادا على اغتيال المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، بدا السوق عشية رأس السنة الفارسية نابضا بالأضواء والأصوات والبضائع المتراصة، رغم أن عدد الزبائن أقل من المعتاد في الأعوام الماضية.
بعد ساعة من أذان المغرب، تزداد الحركة الشرائية شيئا فشيئا حتى يمسي السوق مغمورا بالزوار بحدود قبيل الثامنة مساء، في حين يبدو شبح الحرب مخيما على المزاج العام وإن حاول العديد من الناس طمس هواجسهم تحت الأضواء المتلألئة، لكن يبقى النبض خافتا كقلب يحاول تهدئة خفقانه تحت وطأة الحرب.
الحركة الشرائية لا تزال خفيفة مع دخول الحرب أسبوعها الرابع (الجزيرة) الحركة الشرائيةوبينما كنا نجوب أروقة السوق، توقفنا أمام محل لبيع الملابس الرجالية، حيث يرتب الشاب رضا (28 عاما) بضاعته على مهل، وابتسامة خفيفة ترتسم على ملامحه عندما سألناه عن الحركة الشرائية تحت القصف، فقال “هذا السوق له نبض خاص، كنت أتوقع أن تمر أسابيع وحتی أشهر قبل أن يعود الزبائن، لكن الغريب أن الحياة بدأت تعود بسرعة خلال الأسبوع الثالث من الحرب”.
ثم تنهد بعمق وأشار بيده إلى المارة، وتابع حديثه للجزيرة نت، “في السنوات الماضية، كان السوق يضج بالزبائن عشية رأس السنة الفارسية إلی ساعات متأخرة من الليل، لكن اليوم هم أقل مما اعتدناه بالتأكيد. لكن بصراحة عدد الموجودين الآن تحت القصف أكثر مما كنت أتخيله. هذا يثير دهشتي حقا”.
ثم التفت نحو محل مجاور لبيع الحلويات، وأضاف “الناس تريد أن تعيش وأن ترى بسمة أطفالها في يوم العيد. الحرب في السماء لكن الحياة على الأرض تحاول أن تستمر”. وبعد لحظات صمت، أكمل “الإيرانيون شعب عريق، نعرف كيف نحتفل حتى تحت الركام”، قبل أن يبتسم ابتسامة عريضة تكشف عن حنينه للأيام الخوالي ثم عاد لترتيب بضاعته وتركنا نتأمل هذا التناقض الفريد، نبض الحياة تحت القصف.
سوق غوهر دشت كان مسرحا للاحتجاجات ضد النظام قبل نحو شهرين (الجزيرة)وبينما كانت البسطات تفترش أرصفة الشارع الرئيسي، وتتعلق زينة عيد رأس السنة الفارسية بأبواب المحال التجارية، وقفت الشابة آوينا (22 عاما) برفقة زميلتها في كلية الهندسة المعمارية تتأمل واجهة محل لبيع الحقائب اليدوية، وعبّرت عن “رغبتها في تغيير نظام الجمهورية الإسلامية”، واستدركت أن “هذا الأمل بدأ يتلاشى تحت القصف”.
التفتت الشابة نحو صديقتها التي تومئ بصمت، ثم أضافت للجزيرة نت، “قبل شهرين كنا هنا نهتف للمرأة، والحياة، والحرية، والآن نصرخ: انتبهوا للغارة، لقد بدأت أفقد الأمل حقا لأن النظام لم يسقط، والحرب التي يشنها الثنائي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترمب لا تحررنا، بل تحرقنا”.
وعندما سألنا زميلتها “محدثة” (21 عاما) عن أجواء العيد، انفجرت بكلمات مريرة، “أي عيد؟ وأي نوروز؟ نحن تحت القصف، لقد عولتُ خطأ على المساعدة من الخارج دون إراقة الدماء، لكن لا أرغب بتدمير بلادي. العدو يشاطرني رغبتي في إسقاط النظام، لكن يريد من الإيرانيين أن يدفعوا الثمن تحت الأنقاض”.
وأوضحت للجزيرة نت أنها أصبحت تحلم بسلام بلا قصف قبل أن تحلم بتغيير النظام، مضيفة أن “النظام الإسلامي لم ينهر فحسب، بل تزداد شعبيته بدعوى الدفاع عن الوطن ومواجهة العدوان”.
السوق الذي كان مسرحا للاحتجاجات ضد النظام الإيراني يحتضن مسيرات داعمة له (الجزيرة) اتحاد رغم الاختلافوفيما تبرز أمامنا لافتات حداد سوداء علی اغتيال المرشد السابق، إلى جانب يافطات تهنئ بانتخاب نجله مجتبى خامنئي خلفا له، التقينا الحاج بيمان (59 عاما) لدى خروجه من جامع “رجائي شهر” الذي تم حرقه خلال أعمال الشغب التي شهدها السوق قبل شهرين، والذي قال بدوره إن “الحرب الجوية لا تسقط الأنظمة، بل تسقط الأبرياء ضحايا”.
وعندما رفع رأسه نحو السماء التي كانت تشهد تحليقا لأجسام طائرة تعترضها المضادات الجوية، قال للجزيرة نت “الإيرانيون شعب عظيم. نعم لدينا خلافات داخلية، وهناك من لا يحب النظام الإسلامي. لكن عندما يقصف الأجنبي بلدنا ويقتل أبناءنا، نتحد كلنا خلف قواتنا المسلحة وقيادتنا”.
ولفت إلى أن “كل هذه الغارات لن تدفع الناس إلى انتفاضة يريدها العدوان، بل بإمكان الصحافة أن ترصد نزول أهالي هذا الحي للشارع هذا بحدود الساعة الثامنة مساء والوقوف على مطالبهم وشعاراتهم”.
ودّعنا بيمان وتوجهنا إلى الساحة الأولى من حي غوهر دشت، حيث من المقرر أن تنطلق من هناك مسيرة شعبية، تعمّد القائمون عليها أن تكون في سوق كان مسرحا للاحتجاجات العارمة التي هزت مدينة كرج مطلع العام الجاري.
فبعد مرور أكثر من شهرين على الاحتجاجات التي رددت خلالها الجماهير هتافات غاضبة تطالب بـ”إسقاط النظام”، لا تزال الحناجر هنا تصدح بأعلى صوتها، لكنها تردد شعارات حماسية تطالب بالثأر لدماء المرشد الراحل والتعبئة العامة لمواجهة العدوان.
وعلى وقع هتافات “لا سلام ولا استسلام.. انتقام انتقام” و”الموت لأمريكا والموت لإسرائيل”، انطلقت المَسيرة لتعكس مشاعر الغضب التي اجتاحت قطاعات واسعة من المدينة، المعروفة بـ”إيران الصغيرة” أو “فسيفساء المجتمع الإيراني”.
مواطنون عبّروا عن دعمهم للنظام بوجه العدوان الأمريكي الإسرائيلي (الجزيرة) قادة الاحتجاجاتومن بين المتظاهرين، وقفت فاطمة (46 عاما) مع أولادها الثلاثة، وقالت للجزيرة نت بصوت متحشرج “جئت لأقول للعالم إن دماء قادتنا لن تذهب هباء. خامنئي كان أبا روحيا لنا. اغتياله جريمة لن تمر دون عقاب”، وإلى جوارها، قال زوجها باقر (50 عاما) “هذه الحرب وحّدتنا أكثر من أي وقت مضى. أي تهديد خارجي يزيدنا تمسكا ببلدنا وقيادتنا”.
ومن هناك، حاولنا الاتصال هاتفيا بالناشط الطلابي كريم، وهو أحد قادة الاحتجاجات التي شهدتها جامعة الشهيد بهشتي قبل أيام قليلة من بدء الحرب الجارية، فلمسنا تحولا دراماتيكيا في خطابه، إذ أوضح بصوت متعب هذه المرة “لن أشارك في أي احتجاجات الآن. الحرب غيّرت كل شيء. القصف لا يفرّق بين موالٍ ومعارض. كلانا نقتل تحت الركام ونفقد بيوتنا وأطفالنا”.
تنفس الصعداء، ثم واصل حديثه من خلف الهاتف للجزيرة نت، “الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي يظنان أنهما يساعداننا، لكنهما في الحقيقة يدفناننا مع النظام”، مؤكدا أن “الحرب جعلتنا نعيد حساباتنا. هل نريد الحرية أم البقاء أحياء؟ للأسف، البقاء هو الخيار الوحيد الآن. ربما بعد الحرب نعود للنضال، لكن الأولوية الآن هي أن نحمي ما تبقى من الوطن”.
إيرانيون يهتفون &Ldquo;لا سلام ولا استسلام.. انتقام انتقام&Rdquo; في سوق شهد احتجاجات ضد النظام (الجزيرة)مع اقتراب منتصف الليل، انتهت المسيرة وأغلقت المحال التجارية أبوابها تدريجيا، وبينما يفترض أن يخيّم الصمت على المدينة، لكن أزيز المقاتلات التي تحلق فوق السحب يذكرنا بحكاية سوق “غوهر دشت” عن تعقيدات المشهد الإيراني.
وبين قلب ينزف من خيبة الأمل، وقلب ينبض بالغضب والرغبة في الانتقام، وثالث يتجمد خوفا من المستقبل، يترقب الجميع ما ستفضي إليه الوساطات الإقليمية، لكنّ أحدا لا يعرف أي شروق سيحل على هذا البلد الذي يلفه الدخان والغضب.
إقرأ المزيد


