نساء بحيرة فيكتوريا يكسرن المحظورات ويخضن غمار مهنة صيد الأسماك | أسلوب حياة
بتوقيت بيروت -

لا تزال رودا أونغوتشي أكيتش تتذكر الهمسات التي رافقت خطواتها نحو ضفة البحيرة صباح يوم من عام 2002. كانت في التاسعة والثلاثين، أمّا لسبعة أطفال، وعلى وشك أن تكسر واحدا من أعتق المحظورات الاجتماعية في قرى بحيرة فيكتوريا: أن تطأ قدم امرأة قارب صيد.

تقول أكيتش، التي تجاوزت الستين عاما اليوم، إن أهل قريتها كانوا يتهامسون بأن نزول المرأة إلى البحيرة برفقة الرجال يعني انزلاقا حتميا إلى علاقات جنسية. غير أنها أصرت، وحين أدرك الناس أنها جاءت لتتعلم لا لشيء آخر، “سكتوا” على حد تعبيرها.

في قرية كاغويل التابعة لمقاطعة سيمي الفرعية في إقليم كيسومو غربي كينيا، ظلت مهنة الصيد حكرا على الرجال لعقود، فيما اقتصر دور النساء على شراء السمك وبيعه في الأسواق. لكن هذا التقسيم الصارم بدأ يتصدع تحت وطأة الضغوط الاقتصادية، قبل أن يضاف إليه اليوم تهديد التغير المناخي الذي يلتهم ثروة البحيرة السمكية.

نساء بحيرة فيكتوريا يكسرن المحظورات ويخضن غمار مهنة صيد الأسماك | أسلوب حياةرودا أونغوشي أكيتش تحمل أحد أنواع الأسماك الموجودة في بحيرة فيكتوريا على شاطئ كاغويل، كيسومو، كينيا (الجزيرة) تابو متجذر في الموروث

يوضح ويليام أوكيدو، أحد شيوخ قرية كاغويل البالغ من العمر 57 عاما، أن التقاليد كانت أشد صرامة حين يتعلق الأمر بالدورة الشهرية، إذ ساد الاعتقاد بأن نزول المرأة في تلك الحالة إلى البحيرة “يفزع السمك ويكبد الصيادين خسائر”. ولم يقتصر التضييق على النساء، فحتى الرجال كانوا ممنوعين من معاشرة زوجاتهم ليلة الصيد اعتقادا بأن ذلك يفقر حصيلتهم.

كانت أكيتش قبل 2002 بائعة سمك كسائر نساء القرية، تشتري صيد الرجال لتبيعه في الأسواق. غير أن دخلها تقلص تحت ثقل تكاليف السمك وحطب الوقود وزيت القلي وأجرة النقل. وفي 2001، وصلت نساء من إقليم هوما باي المجاور إلى كاغويل ليقدمن على ما كان يعد مستحيلا: الصيد في البحيرة. فكانت تلك اللحظة الملهمة لأكيتش، التي استعانت بشابين من القرية ليعلماها المهنة، وتحملت تحذيرات الأهالي، ومضت لأن عائلتها كانت تعتمد عليها.

قضت أكيتش 16 عاما وحيدة بين الصيادين الرجال، قبل أن تنضم إليها عام 2018 فايث أوور أنغاوو، أم لأربعة وهي في السابعة والثلاثين، التي عملت سنوات بائعة سمك في سوق لواندا. وتقول إن زوجها رفض الفكرة أولا خشية ردة فعل مجتمع الصيادين، ثم سمح لها لاحقا بالانضمام إلى رودا.

وفي 2020 التحقت دوركاس أويو، ذات الاثنين والعشرين عاما والأم لثلاثة، بعد أن تراجع زوجها الصياد عن رفضه الأولي أمام الحاجة إلى دخل إضافي. وبحلول 2022، باتت صورة المرأة الصيادة مألوفة، حتى إن جانيت ندويي (42 عاما) لم تواجه أي اعتراض حين انضمت، لأن المجتمع “اعتاد رؤية رودا وفايث تصطادان”.

وكشف ويلسون أونجولو، مسؤول المصايد في مقاطعة سيمي الفرعية، الدافع الحقيقي وراء التحول: في الأيام الوفيرة، يجني أصحاب القوارب في شاطئ كاغويل بين 6 و8 آلاف شلن كيني (46-62 دولارا)، ويحصل أفراد الطاقم على 500 إلى 800 شلن (3.88-6.20 دولار)، فيما يبلغ دخل التجار 1000 شلن (7.75 دولار). وهو ما يتجاوز الـ500 شلن التي كانت النساء يجنينها يوميا من إعادة بيع السمك.

وأقر أوكيدو بأن الحاجز الاجتماعي سقط فعليا، قائلا إن “المصاعب الاقتصادية تدفع النساء إلى كسر المحظور”. ويؤكد الصياد دلماس أونيانغو (35 عاما) أن غالبية زملائه باتوا يدعمون قرار النساء.

تتجمع الطيور بينما تغسل امرأة الأسماك لبيعها على شواطئ بحيرة فيكتوريا، في كيسومو، غرب كينيا، السبت 13 أغسطس 2022. قال رئيس اللجنة الانتخابية، اليوم الجمعة، إن عملية فرز الأصوات في الانتخابات الرئاسية القريبة في كينيا لا تسير بالسرعة الكافية. (صورة Ap / بريان إنجانجا)أصبحت رؤية نساء صيادات في بحيرة فيكتوريا شيئا معتادا (أسوشيتد برس) تهديد مناخي يتربص بالبحيرة

تقول أكيتش إنها لاحظت تراجعا تدريجيا في الصيد منذ 23 عاما. ويعزو كريس موتاي، كبير أخصائيي الأرصاد في محطة كيسومو، ذلك إلى التغير المناخي الذي رفع حرارة المياه وشجع نمو الطحالب وخفض الأكسجين. ويتوقع ارتفاعا إضافيا بنصف درجة مئوية خلال 10 إلى 20 سنة، لتتراوح الحرارة بين 29.5 و31 درجة. ويدعو إلى الابتعاد عن أراضي الضفاف لحماية بيئات تكاثر السمك ووقف التلوث.

وتحتضن بحيرة فيكتوريا أكثر من 42 مليون شخص يعتمدون عليها في الغذاء والعمل ومياه الشرب، لكنها تعاني من الصيد الجائر والتلوث والتغير المناخي، وهو ما أدى إلى تراجع حصة الفرد رغم إنتاج سنوي يبلغ نحو مليون طن من الأسماك.

حلم يواجه واقعا متحولا

رغم هذا الاختراق، تجد النساء أنفسهن في ضبابية رسمية. إذ نفت سوزان كلير، المديرة بالإنابة لمصايد الأسماك والاقتصاد الأزرق في كيسومو، في تصريح للجزيرة، وجود نساء يمارسن الصيد رسميا، قائلة إن ثمة “نساء يمتلكن قوارب ونساء تاجرات، لكنهن لسن منخرطات في الصيد الليلي أو ضمن طواقم القوارب”، ما يحرمهن من أي دعم رسمي. غير أن كريستوفر أورا، مدير أبحاث المياه العذبة في المعهد الكيني لأبحاث البحار والمصايد، أعلن عام 2023 أن البحيرة تضم أكثر من 47 ألف صياد بينهم ألف امرأة، وهو ما يشير إلى قصور في بيانات المقاطعة.

وبالنسبة لندويي، باتت عائدات الصيد تغطي الرسوم الجامعية لأبنائها، وهو ما كان عسيرا سابقا. لكن المعيشة التي شقت أكيتش طريقها إليها تغدو أكثر هشاشة. ومع ذلك، تواصل النساء الأربع إبحارهن كل فجر، ففي الأيام الشحيحة يتراجع الدخل إلى ما دون عائد بيع السمك، وفي الجيدة يبقى كافيا لتبرير المشقة.

وتختم أكيتش بمثل يتداوله أهل البحيرة: “الرجل بلا أرض رجل بلا حياة”، وتترك حقيقته الموازية غير منطوقة: الصياد بلا سمك يواجه المصير ذاته.



إقرأ المزيد