بتوقيت بيروت - 4/29/2026 4:03:01 PM - GMT (+2 )
كشفت دراسة جديدة أن جنوب القوقاز، وتحديدا جورجيا الحالية، ربما كان أحد أهم المراكز المبكرة والمستقلة لنشأة قمح الخبز، وهو أحد أكثر المحاصيل الغذائية تأثيرا في تاريخ البشرية.
وتشير النتائج إلى أن ذلك ربما حدث قبل نحو 8 آلاف عام، ما قد يدفع العلماء إلى إعادة النظر في الخريطة التقليدية لأصول الزراعة المبكرة، التي ركزت طويلا على الهلال الخصيب باعتباره المركز الرئيسي لنشأة المحاصيل الزراعية الكبرى.
وتقدم الدراسة التي نُشرت يوم 27 أبريل/نيسان في مجلة “بروسييدنغز أوف ذا ناشونال أكاديمي أوف ساينسز” (PNAS)، أول دليل أثري مباشر على وجود القمح، المعروف علميا باسم “قمح الخبز”، إلى جانب نبات بري يُعرف باسم “عشب الماعز”. ويُعد هذا النبات مهما لأنه وفر أحد المكونات الوراثية الحاسمة التي ساعدت في تكوين قمح الخبز كما نعرفه اليوم.
اعتمد الباحثون على تحليل بقايا نباتية متفحمة (الفريق البحثي)
تداخل وراثي
يقول المؤلف الرئيسي للدراسة، ديفيد لوردكيبانيدزه، أستاذ الآثار في قسم التاريخ الطبيعي، بجامعة تبليسي الحكومية في جورجيا: “لم يظهر قمح الخبز من نوع نباتي واحد، بل نشأ من تداخل وراثي بين أنواع مختلفة من القمح والنباتات البرية، وكان عشب الماعز أحد العناصر الأساسية في هذه العملية”.
اعتمد الباحثون على تحليل بقايا نباتية متفحمة استُخرجت من موقعي “غاداتشريلي غورا” و”شولافيريس غورا” في جورجيا، وهما من أبرز مواقع حضارة شولافيري-شوموتيبي الزراعية، التي ازدهرت بين الألفية السادسة والخامسة قبل الميلاد في جنوب القوقاز.
ويوضح لوردكيبانيدزه في تصريحات للجزيرة نت، أن الاكتشافات شملت حبوب قمح متفحمة، وأجزاء دقيقة من سنابل القمح، وبقايا نباتية لعشب الماعز، ما وفر دليلا ماديا نادرا على أن المكونات النباتية والوراثية اللازمة لنشوء قمح الخبز كانت موجودة في المنطقة نفسها وفي الفترة الزمنية المناسبة.
ويضيف: “يحمل هذا الاكتشاف أهمية خاصة لأن معظم الدراسات السابقة اعتمدت على الأدلة الجينية وحدها”.
رجحت الدراسات السابقة منذ سنوات أن قمح الخبز ظهر نتيجة تهجين طبيعي بين نوع مزروع من القمح ونبات بري يحمل ما يُعرف باسم “الجينوم دي”، وهو جزء وراثي مهم منح قمح الخبز بعض صفاته الأساسية.
لكن المشكلة كانت أن هذه الأدلة الجينية لم تكن كافية وحدها لتحديد المكان الذي حدث فيه هذا الأمر. وهنا تأتي أهمية الدراسة الجديدة، لأنها تقدم دليلا أثريا مباشرا من موقع محدد، وتربط بين ما تقوله الجينات وما تكشفه الحفريات النباتية على الأرض.
وتشير النتائج إلى أن جنوب القوقاز لم يكن مجرد منطقة عبور انتقلت عبرها الزراعة من الشرق الأدنى إلى مناطق أخرى في آسيا وأوروبا، بل ربما كان مركزا فعليا لتطوير أحد أهم المحاصيل في تاريخ الإنسان.
هذا يغير الصورة التقليدية التي تضع كل الثقل تقريبا في الهلال الخصيب، ويفتح المجال أمام فهم أكثر اتساعا وتعقيدا لنشأة الزراعة المبكرة، باعتبارها عملية شاركت فيها مناطق متعددة، لا مركز واحد فقط.
قمح الخبز يمثل اليوم المصدر الرئيسي لمعظم استهلاك القمح عالميا (الجزيرة)
فهم تاريخ الأمن الغذائي
يلفت المؤلف الرئيسي إلى أن أهمية هذا الاكتشاف تزيد إذا عرفنا أن قمح الخبز يمثل اليوم المصدر الرئيسي لمعظم استهلاك القمح عالميا، إذ يُقدر أنه يشكل نحو 95% من القمح المستهلك في العالم.
ويعود ذلك إلى قدرته الكبيرة على التكيف مع بيئات ومناخات مختلفة، إضافة إلى جودة دقيقه المناسبة لصناعة الخبز. لذلك، فإن تتبع أصول هذا المحصول لا يمثل مجرد سؤال عن الماضي، بل يساعد أيضا في فهم تاريخ الأمن الغذائي البشري، وكيف أسهمت الزراعة المبكرة في دعم نشوء المجتمعات المستقرة والحضارات الكبرى.
وأوضحت الدراسة أن البيئة المناخية في جنوب القوقاز خلال بدايات عصر الهولوسين (قبل نحو 11700 سنة) كانت أكثر رطوبة واعتدالا مقارنة بفترات سابقة، مما وفر ظروفا مناسبة للتجارب الزراعية الأولى.
وتشير الأدلة الأثرية إلى أن سكان المنطقة لم يزرعوا القمح فقط، بل مارسوا زراعة متنوعة شملت الشعير والبقوليات والعنب. وهذا مهم لأن جنوب القوقاز يُعد أيضا من أقدم المناطق المرتبطة بإنتاج النبيذ في العالم، مما يعزز صورة هذه المنطقة بوصفها مركزا مبكرا للابتكار الزراعي، لا مجرد منطقة هامشية على أطراف مراكز الزراعة الكبرى.
وللتأكد من عمر العينات، استخدم الباحثون التأريخ بالكربون المشع، وهي تقنية تساعد على تحديد عمر المواد العضوية القديمة. وأظهرت النتائج أن البقايا النباتية تعود إلى أوائل الألفية السادسة قبل الميلاد، أي قبل نحو 8 آلاف سنة.
ويتوافق هذا العمر إلى حد كبير مع التقديرات الجينية السابقة التي رجحت ظهور قمح الخبز في هذه الفترة تقريبا، مما يمنح النتائج قوة إضافية لأنها تجمع بين الدليل الأثري والدليل الوراثي.
ويشدد الباحثون على أن ظهور قمح الخبز ربما لم يكن نتيجة حدث واحد معزول وقع في مكان واحد، بل كان جزءا من شبكة أوسع من التفاعلات الزراعية والبيئية، شاركت فيها مجتمعات مختلفة ومناطق متعددة. فقد تكون هناك مراكز مستقلة أو شبه مستقلة أسهمت في تطوير المحاصيل المبكرة، من خلال تفاعل الإنسان مع النباتات البرية، واستغلال الظروف المناخية المناسبة، واختيار الأنواع الأكثر فائدة واستقرارا.
إقرأ المزيد


