الأردن: ثوابت الدولة و«السر النووي»
الخليج الجديد -

الأردن: ثوابت الدولة و«السر النووي»

ليس من حق أي حكومة أن تقرر وحيدة الطريقة التي سيحافظ عبرها الوطن على ثوابت الدولة.

المواطن أيضا مسؤول وعليه واجبات لكن على السلطة السماح له أولا بالقيام بواجبه وثانيا بالانتماء إليها ومشاركتها حساباتها.

أصغر مواطن أردني يعلم بأن حسابات مركز القرار العميق حول عملية الانتخاب تتعلق بمستقبل قضية فلسطين والصراع مع عدو لا يرحم أردنيا ولا فلسطينيا.

المواطن شريك مع الدولة في ثوابتها لا في مخاوفها فقط وحتى يثبت تمتعه بالقدرة على الالتزام بالثوابت ضمن منهجية دولة القانون والمؤسسات يجب تعريف الثوابت.

*     *     *

صعب جدا إقناع المواطن الأردني بمبررات منطقية للتأخير والقصور في فرز توصيات إصلاحية لها علاقة بملف التنمية السياسية وقانون الانتخاب، ما لم يكن المانع سرا وثمة ما لا نعرفه من مخاوف نحن معشر المواطنين.

ومن الضروري أن تشارك المؤسسات الرسمية والسيادية والعميقة وتلك التي على السطح الأردنيين مخاوفها الحقيقية الكامنة التي تقال بالغرف المغلقة حتى يرعوي المواطن ويتوقف عن المطالبة والتوقع بخصوص ما هو ثابت أو خط أحمر للدولة.

طبيعي جدا أن تكون للدولة مخاوفها وترتيباتها، والطبيعي أكثر مجددا أن تشارك الدولة مواطنيها بتلك المخاوف على أمل التوافق على مساحة فهم مشترك.

فالدولة الأردنية كانت ولا تزال وستبقى ممثلة لهوية شعبها السياسية في مجتمع لا يؤمن بالأحزاب، ويشارك كبار المسؤولين هواجسهم من تلك الوصفات المستوردة، سواء أكانت ليبرالية أو غربية أو حتى إسلامية.

لا مبرر للتعامل مع مخاوف العملية الانتخابية تحديدا باعتبارها «سرا نوويا» ولن نخترع العجلة عندما نقول بأن أصغر مواطن أردني اليوم يعلم بأن حسابات مركز القرار العميق لها علاقة بمستقبل قضية فلسطين والصراع مع عدو لا يرحم أردنيا ولا فلسطينيا.

البقاء في حالة تكتم هنا غير مفيد والمصارحة مفيدة لكل الأطراف، والأصل في بلد تمتزج فيه العقيدة الشعبية مع تراث وفكر وخطوط دولته بصورة تعبر عن نفس الهوية السياسية أنه لا مكان للأسرار ولا الألغام بعد الآن.

ولا مكان أيضا لمخاوف باطنية ستبقى تتحكم بمستقبل البلاد ورقاب العباد، ما لم تطرح وبكل صراحة على طاولة النقاش وبدون مزاودة، لا على القرار ولا على الناس.

ولا يوجد أي مواطن واحد لا يعتبر الدولة وخياراتها جزءا من إطاره القيمي المرجعي، بينما معظم الناس يعترضون على التكتم وغير مؤمنين بمصداقية العملية الإصلاحية برمتها، وهم يعبرون عن أزمة الأدوات والمصداقية مع الخطاب الرسمي.

في غياب تبرير وطني حقيقي يتشارك بالمعلومة والمخاوف مع الشعب، يصبح لزاما لأي مراقب أو حتى مشكك الاستسلام للتفسير الخبيث المتعلق باعتبار الرغبة في إعاقة التمثيل الإصلاحي البرلماني مجرد وصفة عرفية تعسفية لها علاقة بمصالح ضيقة جدا لشريحة انتهازية، تبحث عن مصالحها وتتحالف معها الدولة، لا بل تكون أقوى من الجميع في بعض الأحيان.

عندما لا تشاركني الحكومة كمواطن مخاوفها وهمومها لن أكون جزءا من تلك المخاوف وسأبقى في شعور الغربة، وهنا تحديدا تتشظى الهويات، ويتأثر سلبا أي مشروع وطني، وتزحف الاحتقانات ويشعر المواطن بأنه في الترانزيت.

ولعل تلك الحالة الاجتماعية لا يمكن إنكارها اليوم وسط الأردنيين، ولعلها ما لم تقمع وتمنع بالمكاشفة والصراحة ومشاركة الهواجس يمكن أن تتطور لصالح حالة ضبابية، سيكون المستفيد الوحيد منها هو العدو حصريا، بمعنى تحقيق عكس النتائج المرجوة من التكتم.

لدى الدولة مخاوف يمكن تقديرها وفهمها والواجب احترامها لكن المواطن لا يستطيع فهم المجهول والغامض ولن تظهر عنده إلا زوايا التشكيك فقط، حتى تغيب المعلومة ويشعر بأن السلطة تتعسف معه وتحجب عنه الحقائق، ولا تريده شريكا بعملية سياسية وطنية عريضة فيها مصلحة للجميع.

لا بد من مغادرة منطقة الاستعصاء هنا وبدون تردد، فالوقت يمر بمرارة وعلى السلطة أن تتحدث مع الجمهور وتبلغه بمخاوفها، لا بل تطالب الناس بتحمل مسؤولياتهم التاريخية والوطنية عبر المشاركة بالهواجس والمخاوف.

لا يوجد أساس منطقي للقول بأن من حق السلطة فقط الاحتفاظ احتكاريا بحساباتها وثوابتها… فالمواطن– أي مواطن- في نهاية المطاف ينشد الصلاح والإصلاح، وهو شريك حيوي وفعال وأساسي في الثوابت الرسمية للدولة التي تعبر عن هويته.

وبالتالي تلك الثوابت ليست ولا يمكنها أن تكون حكرا على ممثلي السلطات ودوائرهم، والمطلوب معرفة تلك الثوابت والاتفاق على كيفية الحفاظ عليها، بدلا من اللف والدوران والتحدث بلغة الأسرار وكأن تعديل قانون انتخاب أقرب لمهمة مستحيلة في زمن صعب ومعقد.

باختصار المواطن شريك مع الدولة في ثوابتها وليس في مخاوفها فقط، وحتى يثبت تمتعه بالقدرة على الالتزام بتلك الثوابت ضمن منهجية دولة القانون والمؤسسات لابد من تعريف تلك الثوابت، وليس من حق أي حكومة أن تقرر وحيدة الطريقة التي سيحافظ عبرها الوطن على ثوابت الدولة.

دون حرص شديد على قواعد لعب جديدة على أساس المصارحة والشراكة، الضرر سيكون كبيرا مستقبلا، وقد يتجاوز أزمات صغيرة، مثل العزوف الانتخابي والاحتقانات الحراكية أو الاستعصاء الثقافي أو حتى المشاركة في تنمية الحياة العامة.

لا يوجد سبب مقنع بأن يكون موظف ما هو وحده المسؤول عن تحديد مفاصل أساسية في مسيرة وواقع المواطن، مثل قانون الانتخاب أو مبدأ التمثيل أو دوره في الحياة العامة.

المواطن أيضا مسؤول وعليه واجبات لكن على السلطة السماح له أولا بالقيام بواجبه، وثانيا بالانتماء إليها ومشاركتها حساباتها في الهواجس والثوابت.

* بسام البدارين كاتب وإعلامي أردني



إقرأ المزيد