شبكة راية الإعلامية - 11/29/2025 9:55:37 PM - GMT (+2 )
الكاتب: منير قليبو
الملخص التنفيذي:
يشكل استبدال العمالة الفلسطينية بالعمالة الآسيوية في أعقاب حرب غزة 2023 تحولاً جيوسياسياً واقتصادياً هيكلياً، وليس مجرد تعديل طارئ في سوق العمل. تبحث هذه الورقة في الأبعاد المتعددة لهذه الظاهرة: الدوافع الإسرائيلية الاقتصادية-الأمنية، والتداعيات الكارثية على الاقتصاد الفلسطيني، وظروف الاستغلال التي يعاني منها العمال الجدد، والأبعاد القانونية الدولية، مع تقديم سيناريوهات مستقبلية واستنتاجات استراتيجية.
1. المقدمة: تحول في نموذج الاعتماد الاقتصادي
لعقود، اعتمد الاقتصادان الإسرائيلي والفلسطيني على علاقة تبعية معقدة، حيث مثل العمل داخل إسرائيل أحد أهم مصادر الدخل القومي الفلسطيني وصمام الأمان الاجتماعي، بينما وفر لإسرائيل قوة عاملة رخيصة وماهرة في قطاعات حيوية مثل البناء والزراعة. جاءت حرب غزة 2023 وما تلاها من إغلاق كامل كـ"صدمة خارجية" عجلت بتحول هيكلي كان قيد التخطيط. هذه الورقة تنظر في هذا الاستبدال كسياسة ممنهجة لإعادة هندسة التبعية الاقتصادية وتقليص الاعتماد المتبادل، مع عواقب وخيمة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي الفلسطيني، وفي الوقت نفسه، يخلق ديناميكيات استغلال جديدة للعمالة الوافدة.
2. السياق والأرقام: حجم التحول الهيكلي
· الانهيار الكمي: تؤكد بيانات منظمة العمل الدولية (ILO) أن عدد العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة انخفض من حوالي 190,000 عامل (يشكلون ما يقرب من 20% من القوى العاملة الفلسطينية النشطة) إلى ما يقارب 26,000 فقط بحلول يناير 2024. هذا ليس انخفاضًا طبيعيًا، بل هو تجسيد لسياسة "الفصل الاقتصادي" القسري.
· الاستبدال الممنهج: تشير التقارير إلى استقدام ما بين 16,000 إلى 20,000 عامل هندي في قطاع البناء وحده خلال عام 2024، مع خطط لتوسيع الاستقدام ليشمل عشرات الآلاف من الهند وسريلانكا وتايلاند. الأهمية هنا ليست في الأرقام فقط، بل في الطبيعة النظامية لهذه العملية، والتي تتم عبر اتفاقيات حكومية (مثل الاتفاق الإسرائيلي-الهندي) وليس فقط عبر القنوات الخاصة.
· الكارثة الاجتماعية الفلسطينية: لم يقتصر الأثر على فقدان الوظائف فقد أدت خسارة تدفق ما يقدر بـ 3-4 مليارات دولار سنويًا إلى:
· ارتفاع البطالة في الأراضي الفلسطينية لمستويات قياسية: 79% في غزة، وما يزيد عن 30% في الضفة الغربية (ILO، 2024-2025).
· انهيار الطلب المحلي: تراجعت القوة الشرائية للأسر بشكل حاد، مما أدى إلى ركود في الأسواق وإغلاق آلاف المحال التجارية والصغيرة.
· تفاقم الفقر وانعدام الأمن الغذائي: خاصة بين العائلات التي كان دخلها يعتمد كليًا على العمل داخل إسرائيل.
3. تحليل الدوافع الإسرائيلية: بين الأمن والاقتصاد والهندسة السياسية
· الدافع الأمني كذريعة وهيكلة: تم تقديم القرار للرأي العام الإسرائيلي والدولي كـ"إجراء أمني" ضروري بينما لا يمكن إنكار البعد الأمني في السياق الإسرائيلي، فإن السرعة والتنظيم في استقدام البديل الآسيوي تشير إلى أن هذا الإجراء كان مخططًا له كفرصة لتحقيق أهداف أعمق.
· الدافع الاقتصادي: تحسين كفاءة الاستغلال: العمال الآسيويون، في المتوسط، يقبلون بأجور أقل (بعد خصم تكاليف الإقامة والوساطة) ويأتون في إطار نظام "الكفالة" أو العقود المحددة التي تقيد حركتهم وتنقلهم. هذا يحولهم إلى "قوة عاملة صامتة" وأقل ميلاً للمطالبة بالحقوق أو الانخراط في أي نشاط نقابي مقارنة بالعمال الفلسطينيين الذين لديهم تاريخ من النضال العمالي.
· الدافع الجيوسياسي: إنهاء التبعية المتبادلة: هناك رؤية استراتيجية داخل أوساط صنع القرار الإسرائيلي لتقليص الاعتماد على القوى العاملة الفلسطينية، التي كانت تشكل "ورقة ضغط" سياسية واقتصادية. تحويل الاعتماد إلى عمالة من دول آسيوية بعيدة يضعف القدرة التفاوضية الفلسطينية ويقلل من "التكلفة" الإسرائيلية في حالات الصراع، لأنه لم يعد هناك تهديد بشل قطاعات إسرائيلية حيوية عند منع العمال الفلسطينيين.
4. العمال الآسيويون: وهم النموذج "الأفضل" واستمرار الاستغلال
تقارير منظمات حقوق العمال (مثل "كاف لِعوفيد" و"معًا") تكشف أن الاستبدال لم يخلق نموذج عمل عادل:
· استغلال اقتصادي منهجي: انتشار ظاهرة "سرقة الأجور"، حيث لا يحصل العمال على كامل مستحقاتهم، أو يُتركون لشهور دون عمل مع بقائهم مرتبطين بجهة العمل. كما أن خصم تكاليف السفر والإقامة من رواتبهم يقلل من صافي الدخل.
· ظروف معيشية وعملية خطرة: الإسكان في مساكن مكتظة وغير صحية، وساعات عمل طويلة تتجاوز الحدود القانونية، وتقاعس عن تطبيق معايير السلامة المهنية، ما يؤدي إلى ارتفاع في معدلات الحوادث.
· الهشاشة القانونية: نظام الكفالة أو العقود المقيدة يجعل العامل رهينة لصاحب العمل، وخائفًا من المطالبة بحقوقه خوفًا من الترحيل.
الاستنتاج الجزئي: إسرائيل لم تستبدل عمالاً فلسطينيين بعمال آسيويين لتحسين ظروف العمل، بل استبدلت نموذج استغلال تاريخي ومعقد (قائم على الاحتلال والتبعية) بنموذج استغلال حديث وآلي (قائم على العولمة والهجرة المؤقتة).
5. التداعيات الاستراتيجية على الاقتصاد الفلسطيني: ما بعد الأزمة الاقتصادية
· انهيار نموذج "صمام الأمان": كان العمل داخل إسرائيل يعمل كمنظم للضغط الاجتماعي في الضفة الغربية، حيث يمتص جزءًا كبيرًا من طاقة الشباب الباحث عن عمل. اختفاء هذا الصمام يهدد باندلاع احتجاجات اجتماعية وزيادة في معدلات الجريمة والهجرة.
· تآكل القاعدة الإنتاجية: خسارة رأس المال البشري الماهر، حيث أن العديد من العمال الفلسطينيين اكتسبوا مهارات متخصصة في البناء والزراعة والصناعة على مدى عقود. هذا التآكل سيصعب تعويضه حتى في حال عودة الظروف المواتية.
· إضعاف القدرة التفاوضية الكلية: فلسطين، ككيان سياسي واقتصادي، تفقد أهم ورقة ضغط اقتصادية في أي مفاوضات مستقبلية، وهي قدرتها على تعطيل قطاعات حيوية في الاقتصاد الإسرائيلي من خلال منع تدفق العمالة.
6. السيناريوهات المستقبلية والبدائل
· السيناريو المرجح (الاستمرارية): استمرار الاعتماد على العمالة الآسيوية مع عودة محدودة ومشروطة للعمال الفلسطينيين في قطاعات محددة وهامشية. هذا هو المسار الأقل تكلفة لإسرائيل من الناحية السياسية والأمنية.
· السيناريو البديل (بناء القدرة الذاتية): يتطلب هذا تحولاً جذريًا في السياسات الفلسطينية والدعم الدولي نحو:
· التحول من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج: التركيز على القطاعات الإنتاجية مثل الزراعة التحويلية، تكنولوجيا المعلومات، والصناعات الصغيرة والمتوسطة.
· إصلاح مناخ الاستثمار: خلق بيئة جاذبة للاستثمار المحلي والأجنبي المباشر، مع إعطاء أولوية للقطاعات كثيفة العمالة.
· تعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي: البحث عن أسواق بديلة في المنطقة العربية والعالم، لتقليل الحصار الاقتصادي المفروض.
7. الخاتمة والتوصيات
استبدال العمالة الفلسطينية هو أكثر من مجرد تغيير ديموغرافي في سوق العمل الإسرائيلي؛ إنه إعادة تعريف متعمدة للعلاقة الاقتصادية بين الطرفين، تهدف إلى ترسيخ هيمنة طرف على آخر. بينما يشكل هذا صدمة وتهديدًا وجوديًا للاقتصاد الفلسطيني، فإنه قد يخلق أيضًا "فرصة قسرية" لإعادة التفكير في نموذج التنمية الفلسطيني الذي فشل لعقود في إنهاء التبعية.
توصيات:
1. للجهات الفلسطينية: اعتماد استراتيجية طوارئ اقتصادية تركز على بناء القطاعات الإنتاجية، ودعم المشاريع الصغيرة، وإصلاح نظام التعليم والتدريب المهني لمواءمة مخرجات سوق العمل مع الاحتياجات المحلية والإقليمية.
2. للمجتمع الدولي: ربط المساعدات الإنسانية ببرامج تنموية حقيقية، والضغط على إسرائيل للالتزام بالقانون الدولي واتفاقيات العمل، ودعم مشاريع البنية التحتية الفلسطينية.
3. لمنظمات المجتمع المدني: توثيق انتهاكات حقوق العمال (الفلسطينيين والآسيويين على حد سواء) ومحاولة بناء تحالفات عمالية عابرة للحدود للضغط من أجل تحسين الظروف.
المراجع
أولاً: التقارير الدولية والإحصاءات الرسمية
1. International Labour Organization (ILO). (2024, June). The Impact of the War on Gaza on the Labour Market and the Situation of Workers. Bulletin 4.
2. International Labour Organization (ILO). (2025). The Situation of Workers of the Occupied Arab Territories. Bulletin 6.
3. International Labour Organization (ILO). (2024). Factsheet: Gaza Unemployment.
4. The World Bank. (2024). Economic Monitoring Report to the Ad Hoc Liaison Committee.
5. Indian Ministry of External Affairs. (2024). Reply to Unstarred Question No. 2021 in Rajya Sabha (Provides official numbers on worker deployment to Israel).
ثانياً: التقارير الإعلامية والتحقيقات
1. Middle East Eye. (2024, December). Israel recruiting 20,000 Indian workers to replace banned Palestinian labour.
2. Times of Israel. (2024, various dates). In pivot from Palestinian labor, Israel welcomes thousands of Indian workers.
3. The Guardian. (2024, September). Israel accused of withholding Palestinian workers' wages in ILO complaint.
4. Davar. (2025, February). [Report in Hebrew on wage theft of Asian workers]. (تقرير بالعبرية عن سرقة أجور العمال الآسيويين).
5. Business & Human Rights Resource Centre. (2024). Israel: Recruitment of 16,000 Indian construction workers raises concerns over potential rights abuses.
ثالثاً: تقارير منظمات حقوق العمال والمجتمع المدني
1. Kav LaOved (Worker's Hotline). (2024-2025). Reports on the Conditions of Asian Workers in Israel.
2. MAAN – Worker's Advice Center. (2025). Palestinian Workers During the War: A Report on the Economic and Social Situation.
3. Amnesty International. (2024). Israel/OPT: Starvation as a Weapon of War in Gaza.
رابعاً: المراجع الأكاديمية والإطار النظري (مقترحة للتعمق أكثر)
1. Farsakh, L. (2005). Palestinian Labour Migration to Israel: Labour, Land and Occupation. Routledge.
2. Samara, A. (2000). Globalization, the Palestinian Economy, and the "Peace Process". Journal of Palestine Studies.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


