لجنة إدارة غزة: القصّة الكاملة منذ أن رفضتها السلطة إلى حين تشكيلها
شبكة قدس الإخبارية -

 خاص - شبكة قُدس: لم تكن "لجنة إدارة غزة" بشكلها الحالي هي المسار الإجباري الوحيد لشكل الحكم في القطاع، بل مرّت اللجنة كفكرة بمراحل عديدة حاولت الفصائل التوافق عليها برعاية مصرية، إلا أنها واجهت عقبات وشروطًا وضعتها الفصائل فيما بينها لم تفضِ إلى توافق كامل، لا سيما حركتي حماس وفتح، مما أدى إلى تعقيد المشهد نتيجة عدم التوصل لرؤية موحدة طوال عام ونصف مضت من المباحثات.

ومنذ بدء المشاورات الجدية حول اللجنة، قدمت حركة حماس تنازلات؛ إذ كانت في البداية تصرّ على أن تكون مرجعية اللجنة ضمن صيغة توافق وطني أو الإطار العام للأمناء العامين للفصائل، أو حكومة وحدة وطنية. لكنها تراجعت لاحقًا، وقبلت بأن تكون المرجعية للحكومة الفلسطينية برئاسة محمد مصطفى، التي شكّلها الرئيس محمود عباس بشكل غير توافقي يخالف مخرجات لقاءات الفصائل في شهر فبراير 2024 بالعاصمة الرّوسية موسكو. وفي الوقت نفسه، واصلت حركة فتح فرض شروطها، حيث كانت تضيف شروطًا جديدة مع كل تقدم في المباحثات، إذ تارة تطالب بمرجعية اللجنة للمنظمة، وتارة أخرى للحكومة.

وبذلك، تحوّلت حوارات لجنة إدارة غزة من دائرة مرجعية الإطار الوطني والدعم العربي الممكن التوافق عليه وتعزيزه، إلى دائرة الأمر الواقع المرتبط بمجلس السلام بقيادة الرئيس الأمريكي، بعد أن كانت هناك فرصة لأن تكون المرجعية فلسطينية بالكامل.

جذور المقترح وسياقات الانطلاق 

وكانت إدارة غزة قد ظهرت تحت مسمى "لجنة الإسناد المجتمعي" بعد طرح مصري في سبتمبر 2024، خلال اتصالات أجرتها القاهرة مع حركتي حماس وفتح، لتكون استجابة سياسية وميدانية لتعقيدات المشهد وتجاوزًا لتعثر تشكيل حكومة وحدة وطنية كان قد تم التوافق عليها في حوارات العاصمة الصينية بكين في يوليو 2024. 

ويهدف المقترح بالأساس إلى إيجاد جسم إداري يتكون من كفاءات وطنية مستقلة يتولى تسيير الشؤون الحيوية للقطاع، مثل الصحة والإعمار والمعابر، بما يضمن سحب الذرائع من الاحتلال الإسرائيلي الذي يرفض وجود "حماس أو فتح" في إدارة غزة، ولذلك ركّز الطرح حينها على اختيار ممثلي اللجنة بشكل توافقي بين الفصائل على أن يكونوا مستقلّين. 

وقد اصطدمت مصر في بداية المباحثات بأسئلة طلبت الحركتان الإجابة عنها ولم تكن واضحة حينها، تعلقت بملف الأمن الداخلي، والتبعية المالية، والمرجعية السياسية، والعلاقة الإدارية مع السلطة ومنظمة التحرير، وكان الرد المصري حينذاك بأن هذه التفاصيل متروكة للحوار المشترك.

وفي سياق متصل، نشرت قناة العربية والحدث في 26 سبتمبر 2024، نقلاً عن مصادر في حماس حسب زعمها، وجود توافق مع فتح على إدارة مدنية لغزة، وأن اجتماعًا سيعقد مع فتح خلال أسبوع لبحث إقامة هيئة إدارة محلية من مستقلين، أو تشكيل حكومة تكنوقراط بموافقة الكل الفلسطيني، أو هيئة محلية تحت إشراف الحكومة الحالية.

غير أن تصريحًا صدر في ذات اليوم عن عضو المكتب السياسي لحركة حماس، باسم نعيم، نفى فيه هذه الأنباء ووصفها بأنها "غير دقيقة"، وتبعه بعد أربعة أيام تصريح لمسؤول العلاقات الوطنية في حركة فتح، عزام الأحمد، نفى فيه وجود اتفاق على عقد لقاء بين الطرفين خلال تلك الأيام.

حوارات مكثفة ثمّ مسودة 

رغم ذلك، استمرت مصر في اتصالاتها لطرح محددات "لجنة الإسناد المجتمعي" كخطوة للمرحلة التي تلي وقف الحرب، وتوجت هذه الجهود في 2 نوفمبر 2024 باستضافة لقاء رسمي ضم القياديين في حماس خليل الحية وحسام بدران، مع محمود العالول وروحي فتوح من حركة فتح، حيث بحث اللقاء إنشاء لجنة تابعة للسلطة الفلسطينية وتتضمن مستقلين وتصدر بمرسوم رئاسي من الرئيس محمود عباس. وخلال شهر نوفمبر، جرت لقاءات متعددة أعلنت حماس في 20 نوفمبر 2024 موافقتها على المقترح المصري بتشكيل لجنة محلية من 10-15 شخصية، علمًا بأن حماس وفتح التقتا نحو 5 مرات بشكل ثنائي خلال شهري أكتوبر ونوفمبر لبحث ذات الملف.

وفي 1 ديسمبر 2024، التقت حماس وفتح بمشاركة الجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي برعاية مصرية، حيث بحثوا ملف اللجنة وتقدم كل طرف برؤيته وتحفّظاته المتعلقة بالمرجعية والتفويض والعلاقة مع القوى الوطنية. وفي 3 ديسمبر 2024، كُشف عن تفاصيل المسودة المصرية التي وضحت محددات ومرجعية وصلاحيات ومهام، وشكل اللجنة، بحيث تكون مرجعيتها الحكومة الفلسطينية وتصدر بمرسوم رئاسي.

وفي 5 ديسمبر 2024، أعلنت حماس موافقتها على ما ورد في المسودة، بينما لم يقدم وفد فتح جوابًا حاسمًا، وأرجع القرار للرئيس عباس، حيث غادر وفد فتح مصر لدراسة المقترح في رام الله.

الرفض الرسمي وانهيار المسار التوافقي

تأخر رد حركة فتح حتى 8 ديسمبر 2024، حين أعلن القيادي الراحل عبد الله عبد الله رفض حركته للمقترح خشية ما وصفه حينها "تكريس الانقسام"، مشددًا على وجوب تبعية اللجنة لمنظمة التحرير، وهو ما أثار استياء القيادة المصرية والفصائل. ورغم أن وفد فتح الذي ضم نائب رئيس الحركة محمود العالول، ومفوض العلاقات الوطنية عزام الأحمد، ورئيس المجلس الوطني روحي فتوح، أبدى ترحيبًا أوليًا، إلا أن القرار الحاسم ظل بيد الرئيس عباس وفريقه المقرب، مما عكس حالة من الاحتكار للقرار الرسمي. ورأى مراقبون أن تبرير الرفض بخشية الانقسام كان "فزاعة" لمخالفة الإجماع الوطني، وأن قيادات في فتح راهنت حينها على انهيار حماس خلال الحرب.

ومع ذلك، استمرت فصائل حماس والجهاد والشعبية بالاتصال مع مصر وسلّموها أسماءً مقترحة للجنة في 23 ديسمبر 2024.

ومع مطلع يناير 2025، بدأت قيادات في حركة فتح مهاجمة مقترح لجنة الإسناد المجتمعي، بما فيهم عضو المجلس الاستشاري للحركة عدنان الضميري الذي وصف المقترح بأنه "تابوت وكفن لقطاع غزّة" وأيّده في ذلك، الناطق باسم فتح وعضو مجلسها الثوري جمال نزال. 

وفي 14 يناير 2025، أعلن عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أحمد مجدلاني، بشكل صريح أنهم يرفضون تشكيل أيّ جسم مواز أو بديل للحكومة الفلسطينية، في إشارة منه للجنة الإسناد المجتمعي. وأن القيادة الفلسطينية لا ترى ضرورة لأي صيغة لعودة حكم حركة حماس في قطاع غزة بعد الحرب. 

جمود الحوارات وتفعيل لجان الطوارئ

 وبذلك، فشل المسار التوافقي للجنة في تلك الفترة التي شهدت وقفًا لإطلاق النار استمر حتى 18 مارس 2025. وخلال تلك المرحلة، فعلت الفصائل في غزة "لجان حماية شعبية" وهيئات إدارية محلية كأمر واقع لتوزيع المساعدات ومنع الفوضى ردًا على مماطلة السلطة، ومحاولات الاحتلال خلق أجسام بديلة متعاونة عبر العصابات وبعض العشائر في القطاع. وفي 9 مارس 2025، عادت حماس لتؤكد موافقتها على اللجنة خلال لقاء وفدها مع رئيس المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد، كحل انتقالي لحين إجراء الانتخابات العامة الشاملة.

ورغم الفشل العملي، حاولت مصر التأكيد مرارًا على أنّ "لجنة إدارة غزة" جرى التوافق عليها وأنها محلّ إجماع فلسطيني، إذ صرّح وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في 15 مارس 2025 "أن لجنة التكنوقراط المقترحة لإدارة غزة محلّ توافق، مشيرًا إلى أن تدريب مصر لعناصر أمن فلسطينيين، تمهيدًا لنشرهم وملء الفراغ الأمني في القطاع بعد وقف الحرب بشكل كامل". 

وشهدت المرحلة الممتدة من منتصف عام 2025 وحتى مطلع عام 2026 مخاضًا عسيرًا لولادة جسم إداري يتولى شؤون قطاع غزة، حيث خفتت وتيرة الأنباء المتعلقة بلجنة الإسناد المجتمعي لفترة مؤقتة نتيجة عودة التصعيد العسكري والعدوان على القطاع منذ منتصف مارس 2025، وارتبط الأخبار كلّها بذلك الوقت في مفاوضات وقف إطلاق النار ومقترحات الوسطاء لذلك. 

ومع عودة الحديث المكثف عن مقترحات وقف إطلاق النار، عاد الجدل السياسي ليحتل الصدارة حول لجنة الإسناد. ففي تاريخ 12 يوليو 2025، خرج أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح، جبريل الرجوب، بتصريح حذر فيه بشدة من الطروحات المتعلقة بلجنة الإسناد المجتمعي التي كان يجري الترويج لها، واصفًا إياها بأنها "صيغة تهدف لتكريس الانقسام وتصفية القضية الفلسطينية تحت غطاء مجتمعي هش، وهو ما عكس حجم الفجوة بين رؤية قيادة السلطة والتحركات الجارية في الإقليم". 

عودة اللجنة للواجهة

ومع حلول تاريخ 14 أغسطس 2025، عاد مقترح اللجنة إلى الواجهة وبقوة خلال اجتماع موسع للفصائل في العاصمة المصرية القاهرة، خُصص لبحث مسار المفاوضات وإدارة غزة ما بعد وقف إطلاق النار. وشهدت تلك الفترة وصول وفود تمثل حركتي حماس والجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية، والجبهة الشعبية – القيادة العامة، وتيار الإصلاح الديمقراطي (تيار دحلان) في ظل غياب تام للسلطة الفلسطينية وحركة فتح عن تلك المداولات.

وطوال الأشهر التسعة من عام 2025 شهد قطاع غزة سلسلة محاولات إسرائيلية لخلق بدائل إدارية، إذ برزت مجموعة من السياسات والأدوات التي سعت إلى تقويض إدارة حماس على الأرض في القطاع، عبر دعم مجموعات مسلحة محلية متعاونة مع الاحتلال، وعبر تقوية شبكات اتصال غير رسمية مع أطراف مجتمعية عشائرية وتجارية. إلا أن أغلب هذه المحاولات اصطدمت بعقبات اجتماعية وأمنية، وحسم بالقوّة نفّذته فصائل المقاومة، والأمن الداخلي بالقطاع.

وتطور المشهد سياسياً بشكل دراماتيكي في تاريخ 30 سبتمبر 2025، حين أُعلن عن بنود خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي جرى التوافق عليها دوليًا، والتي تُوجت لاحقًا بالتوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025. وقد نصت هذه الخطة صراحة على إدارة قطاع غزة عبر حكومة انتقالية مؤقتة تتألف من لجنة تكنوقراط فلسطينية من شخصيات غير سياسية، تتولى مسؤولية الخدمات العامة والبلديات، وتخضع لإشراف ورقابة هيئة دولية جديدة تُدعى "مجلس السلام"، يتولى الرئيس ترامب قيادتها وترؤس اجتماعاتها الرسمية بمشاركة قادة دوليين. 

وفي تاريخ 22 أكتوبر 2025، انطلقت جولة لقاءات فصائلية رسمية مكثفة في القاهرة، ضمت حماس، والجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، والمبادرة الوطنية، والقيادة العامة، بالإضافة إلى تيار الإصلاح الديمقراطي التابع لمحمد دحلان، لتمهيد الطريق نحو قرار وطني جامع حول شكل إدارة قطاع غزة. 

وفي تاريخ 25 أكتوبر 2025، عُقد اللقاء الوطني الواسع في ظل استمرار غياب حركة فتح، التي كانت قد اكتفت بلقاء ثنائي مع حماس قبل ذلك بيوم واحد تحت ضغط مصري، وكانت ترفض المشاركة في لقاء الفصائل. وصدر عن الفصائل حينها بيان أكد استمرار المباحثات والاتفاق على أن يكون القطاع تحت إدارة فلسطينية. فيما كشف عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية، فتحي كليب، عن تفاصيل الخطة المصرية التي قُدمت للفصائل، والتي تضمنت خمس نقاط أساسية، أبرزها تهيئة الأجواء لعمل لجنة إدارية مؤقتة تضم شخصيات مهنية من أبناء غزة، حيث اختار المصريون ثمانية أسماء من قائمة ضمّت أربعين مرشحًا قدّمتهم الفصائل بناءً على معايير الكفاءة والنزاهة والاستقلالية. 

بالتوازي مع هذه التحركات، وتحديدًا في تاريخ 24 أكتوبر 2025، أعلن المتحدث باسم حركة فتح جمال نزال أن تشكيل اللجنة هو اختصاص حصري للسلطة الفلسطينية، وتبعه بعدها بيوم تصريح لمنذر الحايك، الناطق باسم الحركة في غزة، الذي أعلن رفض مخرجات لقاء الفصائل. مشددًا على أن أي لجنة يجب أن تُشكلها الحكومة الفلسطينية ويرأسها وزير لضمان التبعية للشرعية الوطنية وفق تعبيره.

وأمام إصرار فتح على موقفها الرافض، مضت مصر وثمانية فصائل فلسطينية في مسار حسم تشكيل اللجنة، باعتبارها المدخل التنفيذي للمرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، حيث بدأت سلسلة اجتماعات نهائية في تاريخ 11 يناير 2026، أفضت في مساء تاريخ 15 يناير 2026 إلى الإعلان الرسمي عن تشكيل "لجنة إدارة غزة" برئاسة علي شعث، مع مجموعة من الأسماء الفنية عددهم 15. ورغم محاولات السلطة الفلسطينية اللحظة الأخيرة للتدخل وطلب دور في العلاقة مع لجنة إدارة غزة عبر التواصل مع المصريين والمنسق الأممي نيكولاي ميلادنوف، المشرف التنفيذي من قبل "مجلس السلام"، إلا أن هذه الجهود باءت بالفشل، ليُعتمد الجسم الجديد كإدارة فعلية للقطاع تمّت بتوافق الفصائل مع الوسطاء "الأمريكي، التركي، القطري، المصري" وبعض التدخلات الإسرائيلية، واضطرت الرئاسة الفلسطينية وخلفها حركة فتح إلى إعلان دعمهم تشكيل لجنة إدارة قطاع غزة بعد أشهر طويلة من رفضها حين كان يمكن لها أن تكون بغطاء وطني خالص.



إقرأ المزيد