بين التكنوقراط ومرحلة ترامب الثانية ، كيف يُفرغ التحرر من مضمونه؟
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: مروان إميل طوباسي

إن الإكتفاء بتحميل القوى الخارجية مسؤولية ما يجري اليوم من تقويض للجوهر التحرري لقضيتنا لا يكتمل دون شجاعة الإعتراف بأننا ، كفلسطينيين نتحمل جزءًا أساسياً من الأسباب التي أوصلتنا إلى هذا المأزق . فالفراغ السياسي الذي يُملأ اليوم بلجان تكنوقراط وخطط أميركية لم ينشأ فجأة ، بل هو نتاج تعطيل طويل للإرادة السياسية الوطنية المستقلة ، وغياب استراتيجية تحرر جامعة ، واستبدال المشروع الوطني بإدارة يومية للأزمة و بوصاية أمريكية تحت مُسمى مجلس السلام . 

فالإنقسام وما نتج عنه من أحداث لاحقة لم يتم حساب نتائجها جيداً بما كان يجب أن يحقق المصلحة الوطنية لشعبنا وصموده ، رغم حق شعبنا بمقاومة المُحتل وفق القانون الدولي ، قد تجاوز كونه خلافا سياسيا ليصبح بنية قائمة بذاتها ، حيث قسّم الجغرافيا والشرعية والتمثيل ، وشرعن عملياً التدخلات الخارجية التي تتعامل معنا كأطراف متنازعة لا كشعب موحد تحت الأحتلال .

ومع تآكل دور منظمة التحرير الفلسطينية كجبهة وطنية عريضة وممثل شرعي وحيد لأسباب عدة ، وتعطيل الحياة الديمقراطية لعقدين من الزمن دون فصل واضح للسلطات وتنامي أشكال الفساد المتعددة من سؤ الإدارة وغيرها وتغييب دور "فتح" كحركة تحرر وطني كما وكل مكونات الحركة الوطنية التي باتت تعيش ازمة نظامنا السياسي أو مسبباً لها ، بات من السهل تجاوزنا نحن الفلسطينيين كفاعل سياسي ، والتعامل معنا “كسكان” تُدار شؤوننا عبر لجان ومبعوثين وخطط إنسانية أو مشاريع إدارة مدنية دون استقلال وطني .

الأخطر من ذلك ، فأننا ، تحت ضغط الواقع ، قبلنا أحياناً بصمت وبمنطق إدارة الأزمة بدل حل الصراع المتمثل باستمرار الأحتلال الأستيطاني كحالة إستعمارية ، وفصلنا الإغاثة عن السياسة والإعمار عن السيادة الوطنية ، فساهمنا من حيث لا ندري في إعادة إنتاج القالب الذي يُفرض علينا اليوم . 

إن الإعتراف بهذه المسؤولية ليس جلداً للذات ، بل شرطا للمراجعة النقدية ولأستعادة الإرادة السياسية الوطنية ، لأن من لا يعترف بدوره في الخلل لا يملك قراره في التصحيح .

وفي هذا السياق تحديداً ، ورغم اهمية انقاذ اهلنا في غزة من تداعيات جرائم عدوان الإبادة واعادة الحياة لهم بكرامة وطنية ، يأتي الإعلان عن تشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة قطاع غزة ، متزامنا مع الحديث الأميركي المتجدد عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من "خطة ترامب" التي تُشكل احد مفاصل "استراتيجية الأمن القومي الأمريكي" المعلن عنها ، الى جانب التعامل المتوحش مع قضايا العالم الاخرى . هذا التزامن لا يبدو صدفة أو حدثا عابرا ، بل يعكس اتجاها سياسيا واضحا نحو الإنتقال من منطق "الحرب" إلى منطق “الإدارة”، ومن سؤال التحرر إلى سؤال ما يُسمى “اليوم التالي” في غزة ، ومن ثم في الضفة الغربية لاحقاً .

فالمرحلة الثانية من الخطة الأميركية لا تحمل مشروعا لإنهاء الأحتلال أو معالجة جذور الصراع ، بل تسعى إلى تنظيم الواقع القائم عبر تهدئة طويلة ، وإعمار مشروط ، وإدارة مدنية للقطاع وحماية مصالح الاحتلال ذاته ، وتقسيم بخطة المعازل الجغرافية في الضفة الغربية دون القدس "خطة الحسم"، تحت سقف أمني إسرائيلي . وهنا يُعاد توظيف “التكنوقراط” كحل تقني ظاهري ، يخفف من حساسية السؤال السياسي المتعلق بالشرعية والتمثيل ، ويحول غزة إلى ملف إنساني كما الضفة الى مشروع اقتصادي أمني منفصلان عن المشروع الوطني التحرري الفلسطيني .

لذلك وباعتقادي ، لا يمكن فصل ما صدر من بيان عن اجتماع عدد من الفصائل الفلسطينية في القاهرة يوم أمس بقيادة "حركة حماس" ، عن التصريحات التي أدلى بها عدد من مسوؤلي السلطة الوطنية دون التباين المفترض ، والتي تم الترحيب فيها بجهود الإدارة الأميركية بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية في غزة وتشكيل لجنة تكنوقراط لإدارتها . إذ إن الحديث عن تثمين أو ترحيب بدور "ترامب" الذي كان شريكاً أساسياً بالإبادة الجماعية وحماية الأحتلال من كل ما يترتب عليه من مسوؤليات قانونية وجنائية ، وبالأعتراف بالأستيطان والقدس عاصمة موحدة لاسرائيل ، وفي تفكيك المرجعيات الفلسطينية ومحاصرتها دوليا ، لا يعكس واقعية سياسية بقدر ما يكشف عمق المأزق الذي أوصلنا إلى الخلط بين إدارة الكارثة ومواجهة أسبابها ، وبين التكيف مع نتائج المشروع وبين التصدي له .

الأخطر أن هذا المسار يُكرس الانقسام بصيغة أكثر استقراراً ، غزة تُدار بلجنة تكنوقراط لا شأن لها بالامور السياسية ولا السياساتية حتى ، والضفة بسلطة محاصرة محدودة الأدوات والصلاحيات ، بل بدون سلطة كما وصفها الأخ الرئيس في وقت سابق ، بينما تُهمش المرجعية الوطنية الجامعة . وهكذا يجري الانتقال بهدوء من التعامل معنا كشعب صاحب قضية تحررية ، إلى التعامل معنا "كجماعة سكانية" في موقعين جغرافيين منفصلين تحتاج إلى إدارة وتحسين شروط العيش ، لا إلى تحرر وطني .

إن ما يجري اليوم ليس مجرد ترتيبات مؤقتة ، بل إعادة تعريف وصياغة للقضية الفلسطينية نفسها . والرد على ذلك لا يكون برفض الأسماء أو التشكيك بالكفاءات المهنية ولا بتجاهل اهمية انقاذ اهلنا في غزة من تداعيات عدوان الإبادة ، بل باستعادة الإرادة السياسية الوطنية المستقلة ، وربط الإعمار بالسيادة الوطنية وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير الفلسطينية كإطار تمثيلي جامع وكجبهة وطنية عريضة ، تقوم على وضوح الرؤية والممارسة الديمقراطية الانتخابية الشفافة والأدوات والإصلاحات المطلوبة بقرار وطني مستقل ، لا بإجراءات تتجاوب مع الضغوطات وتؤدي إلى الأنتقاص من الحقوق الأساسية لكل أبناء شعبنا 
وفي مقدمتهم قوافل الشهداء والأسرى والجرحى وأبناء الشتات الذين شُرّدوا بفعل جريمة النكبة التي شكلت جوهر قضيتنا الوطنية ، كما ومن الواجبات وحقوق المواطنة بتجاوز التشريعات الأساسية وبالسيولة التي لا تتوقف من التعديلات عليها والتي يبدو انها تُقدم للأخ الرئيس دون دراسات كافية ، بل خدمة لمصالح هنا أو هنالك من مراكز النفوذ والتي قد تثير إشكالات لاحقة تتعلق بالسلم الأهلي  .

فإدارة غزة لا يمكن أن تكون بديلاً عن التحرر من الأحتلال ومواجهة المشروع الصهيوني الإحلالي المتصاعد يومياً  ، وأي فصل بين الأمرين ، مهما تغلف بعناوين إنسانية أو إغاثية أو مشاريع استثمار اقتصادية دون بعد تنموي وطني أساساً ، أو تحت شعارات “الأنحناء للعاصفة” أو "الواقعية السياسية"، هو خطوة إضافية في مسار تفريغ القضية الفلسطينية من جوهرها الوطني التحرري الذي يتوجب ان تحكمه العقلانية السياسية الثورية ، حيث أن "الواقعية السياسية" تُعلّمك كيف تعيش داخل القيد ، أما "العقلانية الثورية" فتُعلمك كيف تفهم القيد لتكسره حين تنضج شروط ذلك .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح".

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد