شبكة راية الإعلامية - 2/2/2026 9:18:31 PM - GMT (+2 )
الكاتب: جمال زقوت
تمرّ القضية الفلسطينية اليوم بأزمة عميقة لم تعد تقتصر على مظاهر الانقسام السياسي أو الخلافات التنظيمية، بل طالت جوهر المشروع الوطني نفسه، وألقت بظلالها على معناه ووظيفته ومستقبله. فقد أثبتت التجربة التاريخية الطويلة، وخصوصًا خلال العقدين الماضيين، أن الأطر التقليدية التي هيمنت على المشهد الفلسطيني في ظل الانقسام قد فشلت فشلًا خطيرًا، ولم تعد قادرة لا على حماية المشروع الوطني ولا على تلبية تطلعات الشعب الفلسطيني في الحرية والكرامة. بل إن استمرار هذه الأطر على حالها أسهم في إدخال القضية الفلسطينية في أزمة استراتيجية تكاد تكون وجودية، تهدد الأرض والحقوق ومعنى البقاء ذاته.
أزمة المشروع الوطني وفشل الأطر القائم
فمشروع التسوية السياسية الذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية ، ورغم دورها التاريخي السابق في نقل القضية إلى الحيز الدولي، بات ضيقًا جدًا إن لم يكن قد أغلق لمرحلة ليست قصيرة، كما أن مؤسسات السلطة تحولت إلى غاية بحد ذاتها، وانفصلت تدريجيًا عن الهدف المركزي المتمثل في تحقيق الحرية الشاملة للشعب الفلسطيني. وفي المقابل، فإن طبيعة التجربة العسكرية التي تبنتها حركات المقاومة وخاصة الإسلامية منها، وعلى الرغم من شرعية مبدأ المقاومة في الدفاع عن الشعب الفلسطيني، لم تنجح في تحويل المقاومة إلى استراتيجية وطنية متكاملة، جامعة وقادرة على الاستدامة. وقد أفضت كلا التجربتين إلى إقصاء المجتمع الفلسطيني عن دائرة صنع القرار، وفي نفس الوقت أدت تبعاتهما إلى تحميل المواطنين كلفة الفشل دون توفير أي حماية كافية لهم في مواجهة تغوّل المشروع الصهيوني، الذي يعمل بصورة منهجية على حسم الصراع على حساب الوجود الوطني الفلسطيني، بما يشمل مخاطر التهجير واستكمال النكبة.
إن حصيلة هذه التجارب تؤكد أن الأطر التقليدية قد استُنفدت بالكامل، وأن الاستمرار في التعويل عليها بالأساليب ذاتها لم يعد مجرد خطأ سياسي، بل وبفعل إصرارها على رفض أي مراجعة، فقد أصبح تهديدًا مباشرًا للمشروع الوطني ولقدرة الشعب الفلسطيني على الصمود والبقاء. فالخطر لم يعد نظريًا أو مؤجلًا، بل بات يمسّ الأرض والحقوق والحياة اليومية، ويضع أولوية البقاء الإنساني والوطني في صدارة التحديات.
كيف استُهلك الماضي وتعمّقت أزمة الثقة
ويعود هذا الفشل التاريخي إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها الارتهان لنماذج سياسية وتنظيمية قديمة لم تعد قادرة على الاستجابة لتحولات الواقع الوطني، والاستمرار في استهلاك رصيد الماضي بدل تجديده عبر الابتكار السياسي والتنظيمي. كما أسهمت الانقسامات الداخلية، والادعاء باحتكار الصواب في إضعاف المبادرة الوطنية وتآكل الشرعية الشعبية، وإبعاد الشباب والقوى الحية في المجتمع عن المشاركة الفاعلة. ورافق ذلك غياب فعلي لمشاركة المجتمع المدني والشباب في صناعة القرار الوطني، ما أضعف قدرة المجتمع على التعبئة والمساهمة في صياغة الاستراتيجيات الوطنية. وزاد الأمر سوءًا الفصل بين الكفاح الوطني والحياة اليومية للمواطن، الأمر الذي جعل الصمود مفهومًا مجردًا، بعيدًا عن تحسين شروط العيش الفعلي، ومحدود التأثير في الواقع الاجتماعي والاقتصادي. كما أدى غياب القيادة الجماعية الديمقراطية إلى تحويل المؤسسات إلى أدوات للبقاء في النفوذ بدل أن تكون أدوات لخدمة الشعب، وهو ما عمّق فقدان الثقة الشعبية بقدرة هذه المؤسسات على حماية المصالح الوطنية.
وقد تضافرت هذه العوامل لتُضعف المشروع الوطني وتستنزف رصيده التاريخي والسياسي، وتترك المجتمع الفلسطيني مكشوفًا أمام تحديات متزايدة على الأرض وفي مختلف البنى المجتمعية، ما أفرز واقعًا مأزومًا يتطلب إعادة بناء فكرية وسياسية شاملة، لا ترقيعًا شكليًا أو إعادة إنتاج للأزمة.
وفي سياق هذه الأزمة، تواجه فلسطين اليوم مرحلة بالغة الخطورة، تتسم بمخاطر وطنية وجودية متراكمة، أبرزها استمرار استنزاف القدرات الوطنية نتيجة الاعتماد على أطر عاجزة عن التجديد، وتراجع الشرعية الشعبية بفعل احتكار الماضي والانقسام، وضعف الصمود الاجتماعي والسياسي في ظل غياب بوصلة وطنية واضحة للأجيال الجديدة، التي تشعر بتهميشها وإقصائها عن المشاركة في صنع القرار. كما تتسع الفجوة بين الكفاح الوطني والواقع اليومي للمواطن، بما يضعف قدرة المجتمع على الصمود ويضاعف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية.
نحو مشروع وطني جامع ومتجدد
أمام هذه المخاطر، لم يعد إطلاق حركة سياسية جديدة خيارًا من بين خيارات، بل ضرورة وجوديّة. حركة تستند إلى رؤية شاملة، تحترم الإرث التاريخي لجميع الفصائل الفلسطينية ودورها في مسيرة التحرر، دون أن تكون أسيرة له، وتستعيد الطاقات الوطنية عبر الجمع بين خبرات الأجيال السابقة وحيوية الشباب والمبادرات المدنية الجديدة. حركة تكون مرتبطة عضويًا بالنسيج الاجتماعي وبحياة الناس اليومية، بحيث يصبح الصمود الوطني فعلًا ملموسًا ينعكس على تحسين شروط العيش، لا شعارًا مجردًا. حركة تقودها قيادة جماعية ديمقراطية ومسؤولة، تمارس الشفافية والمساءلة، وتستمد شرعيتها من الشعب، وتلتزم بالقانون الدولي والشرعية الدولية في الدفاع عن الحقوق الوطنية وحماية الحقوق المدنية.
ويفترض بهذا المشروع الوطني الجديد أن يستند إلى أشكال تنظيم شعبي مرنة ومتعددة، قادرة على ربط المهام الوطنية بالمهام الاجتماعية والديمقراطية، عبر هيئات محلية ومجتمعية تمثل الأحياء والمدن وتعبّئ المواطنين، ومؤسسات تعليمية وصحية وثقافية تدمج العمل الوطني بالخدمات اليومية، وأطر شبابية وطلابية تضمن مشاركة الأجيال الجديدة في صنع القرار، ومبادرات مدنية تشاركية تعزز الربط بين الحقوق الوطنية والتنمية المجتمعية، إلى جانب آليات تواصل ديمقراطي مفتوحة من حوارات ومنتديات وملتقيات عامة تتيح للمواطنين المشاركة في رسم السياسات الوطنية والاجتماعية.
إن الربط العضوي بين الوطني والاجتماعي والديمقراطي، والذي سبق أن فشلت السلطة الوطنية وكذلك سلطة حماس في بلورته كفلسفة حكم لتعزيز الصمود، سيعيد تعريف الكفاح الوطني بوصفه عملية شاملة لا تقتصر على مواجهة الاحتلال، بل تشمل بناء قدرة مستدامة على الصمود وتحقيق حياة كريمة للمواطن الفلسطيني. ومن هنا، فإن هذا المشروع ليس مجرد بديل سياسي، بل دعوة وطنية وجودية مفتوحة لكل الفلسطينيين للمشاركة الفعلية في النقاش العام والانخراط الواعي في صياغة المستقبل والمصير الوطني. فهو خط الدفاع المشروع عن حاضرنا ومستقبل أجيالنا، ويؤكد أن فلسطين اليوم بحاجة إلى إرادة جماعية، ومشاركة فاعلة من جميع فئات المجتمع، ومسؤولية مشتركة تجاه الأرض والشعب والحقوق الوطنية.
إن المشاركة في بلورة مثل هذا المشروع الوطني الجديد هي الفعل الوطني الحقيقي، القادر على حماية الحقوق، وتعزيز الصمود، وبناء مستقبل فلسطيني شامل، ديمقراطي، وفاعل، وبالتأكيد ليس من تحت العباءة الأمريكية ولا مجلس "سلام" ترامب، بل لمواجهة أهدافه الخبيثة. ويظل السؤال الجوهري من هي الأدوات والحوامل القادرة على حمل هذا المشروع دون تدوير الأدوات المتقادمة ؟
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


