المناضل وشعب الماوري!
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: بكر أبو بكر

سالم صديقي المشاكس وجّه لي هذا السؤال وكنت أعلم أنه يقصد شخصًا بعينه!
وكان سؤاله: هل في الذاتية المفرطة حماقة؟ 
هل في التفاخر الدائم بالذات والمنجزات أو ما يعتقدها الشخص منجزاته فيعرج في كل حين على ذكرها حماقة؟
قلتُ له: هاتِ ما عندك!
قال صديقي سالم : في سياق عملي التنظيمي السياسي واكبت شخصًا كبيرًا في السن نحترمه ونجلّه لما عُرف عنه بتاريخه النضالي، وهو بلا شك مناضل، وتدرج بالمواقع او المناصب في مرحلة الثورة الفلسطينية ثم في مرحلة السلطة الوطنية الفلسطينية واستوفى ما عليه.
قلت له: إذن هو رجل فاضلٌ؟
قال: انتظر قليلًا، فالفضل بمعنى حُسن الخلق أوالاستقامة ليس مجال الحديث وإنما دعني اكمل.
قلت: أكمل.
قال: جمعني به لقاء أسبوعي مخصص للمحاربين القدامى إن شئت تسميته، أو هو بالواقع منتدى حواري للمتقاعدين أمثالي يتداولون في شؤون السياسة والفكر والمجتمع والتنظيم ومستجدات الأمور.
قلت: طيب
أكمل قائلًا: وكنت احتفظ له بالذاكرة بالكثير من الاحترام لما قام به في حياته المديدة من أعمال للمصلحة العامة كما كانت السُمعة، وللحق في هذاالجانب فهو رجل مخلص فعلا.
قلت: إذن أين المشكلة؟
قال: المشكلة هي أنك حين تداوم على اللقاء مع شخص بمعدل يوم او يومين أو ثلاثة بالأسبوع على مدار عام تجد من سلبيات الشخصية ما يصبح أمرً مزعجًا، وتغطيته صعبة! ولذا أحدثك بالموضوع وأتساءل
قلت: يا لطيف، أكمل
قال: نعم، وهنا كان سؤالي لك في مفتتح الحديث: هل في استعراض الذاتية المفرطة حماقة؟ وعليه فلقد كان الرجل الفاضل والمحترم يُكثر من ذكر أفعاله أو أقواله الكبيرة أو الصغيرة أو التافهة في أثناء الحديث للمجموعة عن أي أمر، فلو تكلمنا في السياسة فهو في صلبها شخصيًا حيث كان مع فلان وحدثه فلان وقال لفلان، وحين الحديث عن مكان معين فله فيه أفعال ومآثر، ولو تجاوزنا حديث الذكريات وتحدثنا بالذكاء الاصطناعي فلا بد أن يتحدث ليذكر ما قال له الشخص الفلاني (من 40 سنة مثلًا) متعلق بالذكاء! ولو كان الحديث بموضوع لا صلة له به قط ، لنفترض أننا نتحدث عن شعب الماوري في نيوزيلندا فهل تظن أنه يصمت؟ 
قلت: لا أدري
قال سالم: عموما حصل هذا الأمر
قلت: فعلًا!
قال: فعلًا ونصًا، فلقد كان أحد الاخوة القادمين من استراليا يحدثنا بلقاء منظم عن انجازات الجالية الفلسطينية في استراليا ونيوزيلندا وعرّج على نضال شعب الماوري (السكان الأصليون في نيوزلندا) فما كان من الرجل الا أن رفع يده متحدثًا عن لقائه بالشعوب الأصلية في جنوب إفريقيا!؟ عندما كان بصحبة الخالد ياسر عرفات، وأسهب وأطال فأحرج الرجل الذي استدعيناه للحديث عن استراليا ونيوزلندا حيث لا صلة! وبدأ ينظر اليّ والساعة فلديه مواعيد والرجل أطال والصِلة مفقودة فما كان مني الا أن قاطعت صاحبنا الذي يحشر ذاته بكل أمر، وفي ظل تبرم الحضور الدائم من قصصة (الذاتية) التي لا تنتهي شاكرًا إياه ومشيرًا لوقت المتحدث. وهنا أكمل المتحدث على مضض وشكر الجمع واستأذن بالخروج!
قلت: وهل هو يكرّر إدخال قصصه الذاتية في كل أمر!؟
قال سالم: ألم أقل لك حتى في شعب الماوري! فهل هذه حماقة؟ أم ماذا؟
قلت: لعله وصل من العمر أرذله، فلم يعد يفرق بين الحديث الملتزم بالاجتماعات وحديث العائلة أو الأصدقاء المفتوح والمليء بذكريات تقاسموها معًا
قال: ربما يا أخي، وأشك بذلك. 
قلت: إذن، لعل تفاخره ناتج عن رغبة بالظهور 
قال: هو ظاهر فيما مضى، لاسيما والحضور بغالبه ممن زاملوه ويعرفونه ولا داعي لذلك أصلًا!
قلت: إذن هو استدعاء لمجد ذاتي يستمتع بذكره، وما يشكل له تعويضًا نفسيًا عما كان له من هيلمان سابق! 
قال سالم: أظن أنها هذه، ولكن ألا يرحمنا!
قلت: إن كانت أنانيته أو تكرار ذكر قصصه الذاتية أو تفاخره أو ربط ذاته بكل شيء يعدّ حماقة، فإن الأحمق الحقيقي هو الذي يستمع له ويتأثر به، أو يظل جالسًا يستمع له طوال 52 أسبوعًا بالعام ولا يعلن التمرد أو المقاومة والثورة!

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد