انتخابات المجلس الوطني: تساؤلات بلا أجوبة ومخاوف وطنية من سياسة "الإقصاء"
شبكة قدس الإخبارية -

خاص شبكة قدس الإخبارية: جاء قرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس بإجراء انتخابات المجلس الوطني لمنظمة التحرير في الأول من نوفمبر القادم، كخطوة تحمل في طيّاتها ملامح تغيير جذري وإيجابي للنظام السياسي الفلسطيني، لكنها في الوقت ذاته تحمل مخاوف حول طبيعة ما سينصّ عليه قانون انتخابات المجلس، لا سيّما بعد تجربة وصفت بـ "الإقصائية" حين أصدر الرئيس عباس قانون الانتخابات المحلّية المعدّل الذي يشترط على المرشّح أن يقرّ ويوقّع على ورقة تنصّ على التزامه ببرنامج منظمة التحرير والتزاماتها بقرارات الشرعية الدولية. 

وكان الرئيس محمود عباس قد أصدر في السابع عشر من يوليو/تموز الماضي قرارًا بتشكيل اللجنة التحضيرية لانتخابات المجلس الوطني والتي من واجبها تهيئة المناخ لعقد انتخابات المجلس، والتواصل مع الجهات ذات العلاقة، وإعداد قانون الانتخابات الذي سيتمّ على أساسه عقد الانتخابات للمجلس الذي يرى مراقبون "أنه خرج عن الخدمة بشكل كامل منذ توقيع اتفاقية أوسلو"، وتحوّل المجلس حينها من "برلمان" المنظمة إلى أداة بيد قيادة السلطة لتمرير قرارات محدّدة التوجه والرغبة.  

في السياق ذاته، كشف نائب رئيس المجلس الوطني وعضو اللجنة التحضيرية لانتخابات المجلس، موسى حديد، في حديث مع شبكة قدس، أن اللجنة التحضيرية أنهت أعمالها، وسلمت الرئيس محمود عباس مسودة قانون انتخابات المجلس الوطني، تمهيدًا للشروع في الإجراءات الرسمية لإقراره.

وأوضح حديد أن لقانون الانتخابات مسارًا إجرائيًا محددًا، إذ يُعرض أولًا على اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية لاعتماده، ثم يُقرّ ويصدر لاحقًا بقرار من الرئيس محمود عباس. غير أن ذلك، بحسب قوله، لا يعني تأجيل الإعلان عن موعد الانتخابات، مشيرًا إلى أن تحديد الموعد الذي أعلن عنه الرئيس غير مرتبط بإقرار القانون، لا سيما أن المدة المتاحة لعقد الانتخابات تُقدَّر بنحو عشرة أشهر.

وأشار إلى أن قانون الانتخابات بات جاهزًا ومطروحًا حاليًا على طاولة اللجنة التنفيذية لاعتماده، لافتًا إلى أن القانون كان موجودًا سابقًا بتوافق وطني، إلا أنه خضع لبعض التعديلات التي تفرضها الحالة العامة للشعب الفلسطيني وقضيته. وأكد أنه بعد اعتماد القانون من اللجنة التنفيذية، سيتم الإعلان عنه رسميًا.

وعن سؤال قدس من وجود مخاوف "إقصائية" في نصّ قانون الانتخابات خاصّة للفصائل غير المنضوية في إطار المنظمة، قال حديد "إن القانون غير إقصائي، بل يدعو جميع الأطراف إلى الانخراط في الحالة الفلسطينية بما يخدم المصلحة العامة، وضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية". وبيّن أن الترشح لانتخابات المجلس الوطني يقتضي بالضرورة الانضواء ضمن إطار منظمة التحرير، مؤكدًا أنه لا يمكن إجراء انتخابات لأشخاص أو جهات خارج المؤسسة الوطنية الجامعة.

وأكد حديد أن منظمة التحرير ليست حالة طارئة أو مؤقتة، بل تمثل العنوان التاريخي للشعب الفلسطيني منذ عام 1965، مشيرًا إلى أنها شكّلت على مدار العقود الماضية إطارًا وطنيًا حقق للشعب الفلسطيني العديد من المكاسب السياسية والوطنية. وأضاف أن القضية الفلسطينية مرّت بمحطات انتكاس متعددة، وأن المرحلة الراهنة تمثل إحدى هذه الانتكاسات، ما يستدعي، وفق قوله، تضافر الجهود الوطنية والتمسك بالتمثيل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في إطار منظمة التحرير الفلسطينية.

واعتبر حديد أن التمثيل الفلسطيني بات اليوم موضع تساؤل ومراهنة على الساحة الدولية، مشيرًا إلى أن إجراء انتخابات المجلس الوطني سيشكل رسالة واضحة مفادها أن منظمة التحرير هي الجهة الوحيدة المخوّلة بتمثيل الشعب الفلسطيني.

بدوره، أوضح نائب رئيس المجلس التشريعي، حسن خريشة، أن الآمال كانت معقودة على أن يصدر مشروع قانون انتخابات المجلس الوطني عن جهة منتخبة، لا عن جهة محددة مكوّنة من أشخاص بعينهم. وقال في حديث مع شبكة قدس الإخبارية إن اللجنة التحضيرية جرى اختيارها من قبل الرئيس، ولكل عضو فيها مصالحه الخاصة، مشيرًا إلى أن معظم أعضائها كانوا مناضلين في مراحل سابقة ثم تقاعدوا لاحقًا، معتبرًا أن الأنسب كان تشكيل لجنة مهنية يُنتخب أعضاؤها من قبل الشعب الفلسطيني.

وشدّد خريشة على الحاجة إلى توضيحات صريحة من الجهات المعنية، وفي مقدمتها ضمان أن تكون الانتخابات غير مشروطة، وأن تنبع من إرادة وطنية حقيقية تهدف إلى إدخال إصلاحات جادة على النظام السياسي الفلسطيني بما يخدم المصلحة العامة، لا أن تكون استجابة لضغوط خارجية.

وحذّر من أن فرض أي شروط أو اشتراطات مسبقة على انتخابات المجلس الوطني سيؤدي إلى مقاطعتها من قبل فصائل المقاومة، وعلى رأسها حركتا حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، إضافة إلى عدد كبير من الشخصيات المستقلة، ما من شأنه أن يحوّل الانتخابات إلى عملية مسيّسة وإقصائية.

وأكد أن لا جهة يحق لها فرض شروط على العملية الانتخابية، في ظل التعددية السياسية التي يتميز بها الشعب الفلسطيني، واختلاف المواقف تجاه برامج منظمة التحرير التي صيغت قبل وأثناء وبعد اتفاقية أوسلو.

وأشار خريشة إلى أن انتخابات المجلس الوطني شكّلت على الدوام مطلبًا وطنيًا وشعبيًا فلسطينيًا، وجزءًا من الأزمة العميقة التي يعيشها الفلسطينيون على صعيد التمثيل السياسي والرئاسي والتشريعي، معتبرًا أن إعادة الاعتبار لهذا الاستحقاق تمثل مدخلًا لمعالجة هذا المأزق.

ورأى أن التوجّه نحو إجراء الانتخابات يُعدّ إيجابيًا من حيث المبدأ، لا سيما أن المجلس الوطني لم يشهد انتخابات منذ تأسيسه مع انطلاق منظمة التحرير، واعتمد طوال عقود على التعيينات ونظام "الكوتة" وأحيانًا على التوافق الفصائلي. واعتبر أن إشراك المواطن الفلسطيني في اختيار أعضاء المجلس، في الوطن والشتات، ضمن انتخابات شاملة تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس وأراضي عام 1948 والشتات، من شأنه أن يعيد الاعتبار لدور المجلس كمؤسسة تمثيلية جامعة.

وأوضح أن تشكيل مجلس وطني منتخب يفتح الباب أمام انتخاب لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ومن ثم انتخاب رئيس لها، بما يؤدي إلى انتخاب رئيس للشعب الفلسطيني بصورة غير مباشرة، ويساهم في إنهاء حالة الانقسام، وترسيخ التعددية السياسية، بحيث تحصل كل قوة على تمثيلها وفق حجمها الحقيقي على الأرض.

وفي المقابل، طرح خريشة جملة من التساؤلات حول جدية هذا التوجّه، والقانون الذي ستُجرى على أساسه الانتخابات، وما إذا كانت ستُفرض شروط مسبقة على المشاركين، على غرار ما حدث في الانتخابات المحلية، مؤكدًا أن هذه الأسئلة لا تزال بلا إجابات واضحة حتى الآن.

وأكد أن منظمة التحرير باتت بحاجة ماسّة إلى إصلاحات حقيقية، وإلى استعادتها من حالة الانحراف عن مبادئها الأولى، بعد أن تغيّر مسارها خلال السنوات الماضية من مشروع تحرير وطني إلى نهج قائم على التفاوض والمساومة.

واعتبر أن المشاركة الواسعة في انتخابات المجلس الوطني تمثل فرصة لتغيير النهج السائد، واستعادة منظمة التحرير كإطار وطني جامع أُنشئ من أجل تمثيل الشعب الفلسطيني والدفاع عن حقوقه، مشددًا على أن هذه الخطوة يمكن أن تكون إيجابية إذا توفرت الإرادة الصادقة وسارت العملية في مسارها الصحيح.

ولفت إلى أن الشارع الفلسطيني يعاني من غياب القيادة الجماعية، ومن ضعف الجدية في التعاطي مع القضايا المصيرية، في ظل حالة من الغموض التي ما زالت تحيط بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني.

وختم خريشة بالتأكيد على أن نجاح انتخابات المجلس الوطني يجب أن يرتبط باستعادة الميثاق الوطني الأول لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأن تشكل هذه الانتخابات مدخلًا لإصلاح شامل ينهي الانقسام، ويعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس وطنية وديمقراطية جامعة.

ويُعدّ المجلس الوطني الفلسطيني، الذي تأسس عام 1964، الهيئة التمثيلية العليا للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ويضطلع بدور محوري في النظام السياسي الفلسطيني وكان يعدّ بمثابة "برلمان دولة فلسطين قبل أوسلو". ويتكوّن من ممثلين عن فصائل المنظمة، وشخصيات وطنية مستقلة، وممثلي الاتحادات الشعبية والنقابية والتجمعات الفلسطينية في الخارج.

بدوره، اعتبر منسق المؤتمر الشعبي الفلسطيني 14 مليون، عمر عساف إن المؤتمر ينظر إلى المرسوم المتعلق بانتخابات المجلس الوطني بترحيبٍ مشوب بالقلق والحذر، موضحًا أن الترحيب نابع من كون انتخاب المجلس الوطني هو المطلب المركزي الذي تأسس المؤتمر من أجله، باعتباره إطارًا شعبيًا يمثل نحو 14 مليون فلسطيني في الداخل والشتات.

وأضاف عساف أن مجرد صدور مرسوم يتحدث عن انتخابات المجلس الوطني يتقاطع، من حيث المبدأ، مع هذا المطلب، غير أن الموقف النهائي مرهون بتوافر جملة من الشروط، على رأسها أن تُجرى الانتخابات دون أي اشتراطات سياسية، وبمشاركة كامل الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة، مع ضمان النزاهة واحترام النتائج.

وأشار إلى أن هذه العناصر، إذا توفرت، يمكن أن تفتح مرحلة جديدة في تاريخ الشعب الفلسطيني، محذرًا في المقابل من أن إدخال اشتراطات سياسية من شأنه إفراغ العملية من مضمونها. ولفت إلى أن الإشارة في المرسوم إلى منظمة التحرير و"قراراتها" تنطوي على إشكالية، لأن من بين تلك القرارات الاعتراف بإسرائيل وقبول اتفاق أوسلو، وهو ما يعني عمليًا فرض اشتراط سياسي مسبق.

وتوقف عساف عند عبارة "عدم إمكانية إجراء الانتخابات" الواردة في المرسوم، واصفًا إياها بأنها فضفاضة وتحمل تأويلات واسعة، متسائلًا عما إذا كانت تُستخدم لاحقًا لتبرير آليات تعيين بديلة، معتبرًا أن هذه الصياغة تفتح الباب أمام تجاوز مبدأ الانتخاب الحقيقي.

وفي السياق ذاته، شدد على ضرورة اعتماد الانتخاب الإلكتروني إلى جانب الانتخاب الوجاهي، مؤكدًا أن هذه الصيغة يمكن أن تحد من التدخلات والتعيينات، وتخفف من الإشكاليات المرتبطة بإجراءات الاحتلال، ولا سيما ما يتعلق بمدينة القدس.

وتابع: "المطلوب أن يكون الباب مفتوحًا بوضوح ودون مواربة للجميع في انتخابات المجلس الوطني. فإذا وُجدت الاشتراطات بالشكل الذي ورد في الانتخابات المحلية، فنحن لا نتحدث عن تمثيل حقيقي للشعب، بل عن تمثيل مجتزأ؛ لأن تمثيل الشعب الفلسطيني يتطلب مشاركة جميع القوى الفاعلة. واليوم، لا يمكن الحديث عن انتخابات حقيقية دون مشاركة واضحة لحركة حماس، لأن ذلك يعني حرمان شريحة واسعة من الشعب الفلسطيني من حقها في الانتخاب". 

وختم عساف بالقول إن الحديث عن نظام سياسي برلماني حقيقي يفترض أن يكون المجلس الوطني هو صاحب الصلاحيات العليا، وأن تُنتخب منه القيادة التنفيذية والرئيس. غير أن هذا "فريق الرئيس عباس عوّدنا على البحث عن كل السبل التي تُبقيه في السلطة، وهذه التخوفات مشروعة عند الفلسطينيين وليست مفتعلة (...) لذا مطلوب الكثير من الإيضاحات. فنهج محمود عباس لا يحظى بقبول الشارع الفلسطيني، ولا تتجاوز نسبة تأييده، في أحسن الأحوال، ما بين 10 إلى 15 في المئة".



إقرأ المزيد