تداعيات فضيحة القرن في بداياتها
وكالة سوا الاخبارية -
2026/02/05

خلال عام، أحدثت إدارة دونالد ترامب انقلاباً على القيم والأخلاق والسياسة والاقتصاد، وعلى النظام الدولي ومؤسساته. الانقلاب وقع، أيضاً، على مستوى التحالفات، وشروط الخصومة، والأهم أنه انقلاب على الداخل الأميركي تحت شعار «لنجعل أميركا الأعظم»، و»أميركا أولاً»، كان من المنطقي والضروري أن يبدأ تحقيق هذا الشعار من تقوية الأوضاع الداخلية وتعزيز الديمقراطية والوحدة.

غير أن ما وقع خلال العام، خلق أوضاعاً صعبة على المستوى الداخلي حيث تزداد حالة التوتر، والانقسامات، وتتصاعد سحب العنصرية وتحتدم الصراعات، ليس فقط بسبب تبعات السياسة الخارجية على الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، بل، أيضاً، بسبب ما يمكن اعتباره حرباً على الهجرة غير الشرعية، والتي تطال، أيضاً، مهاجرين أميركيين من أصول إفريقية أو أميركية لاتينية.

حين يصف رئيس الدولة، عضو كونغرس، من أصول صومالية هي إلهان عمر، بأنها عبارة عن قمامة، ويقوم بالتحريض العلني والمباشر على الجالية الصومالية التي يتجاوز تعدادها ثلاثمائة ألف هم أميركيون شرعياً، فإن مثل هذا التدخّل الفظ، لا شك يشكّل قمة العبث بالأوضاع الداخلية.

عدد المهاجرين غير الشرعيين يناهز 8% من العدد الكلّي للسكان، وهم قد اندمجوا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، ولذلك فإن التصدي لهذا العدد الكبير لا شك سيحدث اضطراباً واسعاً وعميقاً في البنية الاجتماعية، ويعمّق الانقسامات.

ترامب جعل مشكلته الأولى والأساسية، «الحزب الديمقراطي» وإدارة جو بايدن، التي يعلّق عليها ضعف البلاد، والفشل في حماية المصالح الأميركية، والتفريط بمقدّرات الموازنة.

يصعّد ترامب حملته على الرؤساء «الديمقراطيين» السابقين إلى الحدّ الذي جعله يدعو إلى اعتقال الرئيس الأسبق باراك أوباما فوراً بتهمة تنفيذ انقلاب سياسي وبأنه كان وراء اتهامات مفبركة بشأن ما عرف بقضية التدخّل الروسي في الانتخابات الرئاسية العام 2016.

العنف الذي تستخدمه إدارة الهجرة والجمارك وأدّت إلى مقتل أميركيين بيض، أدّى إلى اتساع دائرة الاحتجاجات في أكثر من ولاية، وتصاعد حملة المطالبة بكفّ يد «دائرة الهجرة» عن مواصلة حربها وعنفها، من قبل حكّام عديد الولايات الأميركية.

وكمؤشّر على تنامي حالة التوتّر، عادت للظهور جماعات سابقة، مثل «الفهود السود»، وجماعة «القبّعات البنّية»، فضلاً عن تشكيل فرق حماية داخلية، تسير دوريات في الشوارع، للتصدي لتعدّيات «الحرس الوطني» الفيدرالي، و»شرطة مكافحة الهجرة».

وفي ظلّ هذه التوتّرات المتصاعدة، على المستويين الخارجي والداخلي الأميركيين، تبرز قضية جيفري إبستين على سطح الأحداث والاهتمامات العامّة، ليس باعتبارها قضية أخلاقية وحسب بل باعتبارها قضية سياسية بامتياز.

بعد قرار الكونغرس بإلزام وزارة العدل، نشر الوثائق المتعلقة بفضائح إبستين، والتي قامت بنشر ثلاثة ملايين وثيقة من أصل ستة ملايين، وثمّة من يشكك بأنها تحفّظت على نشر آلاف الوثائق التي قد تمس ترامب أو بعض المسؤولين.

لم يمرّ بعد وقت طويل على نشر وثائق فضيحة القرن، التي تتجاوز أميركا، وعابرة للقارات، خصوصا النخب ذات الأوزان الثقيلة في عالم السياسة والمال والأعمال والفن والفكر والاقتصاد، ما يعني أن الأيّام والأسابيع المقبلة ستكشف عن عدد كبير من المتورّطين، الذين يشغلون مناصب مهمّة في بلدانهم.

تفاصيل هذه الفضيحة، غطّت على كل الأحداث الداخلية والخارجية التي تشهدها أميركا، ومن المتوقّع أن ت فتح طريقاً واسعاً أمام الملاحقات القضائية، واهتمامات وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ما سيضاعف من ظواهر الاحتقان والصراع الداخلي.

تبرز من بين قضايا الاهتمام التي لا تغفل أسماء المتهمين من الفئات السياسية العليا في أميركا ومن بينهم ترامب، ولكنها تركّز على اتهام رئيسي ذات أبعاد سياسية خطيرة تتعلّق بمن يقف خلف إبستين، ولحساب من وماذا يشتغل.

هناك اتهامات تشير إلى ضلوع «الموساد» الإسرائيلي، والدور الذي قام ويقوم به لإسقاط كثير من الشخصيات الوازنة، بهدف الابتزاز والضغط، والتأثير في سياسات الدول المستهدفة.

في الواقع، لا يمكن أن يدخل العقل البشري أن شخصاً واحداً مهما بلغ من العبقرية، والثروة، والإمكانيات أن يقوم بمثل هذا العمل الضخم، وبمثل النتائج التي أظهرتها التسجيلات والوثائق والفيديوهات.

وفي أميركا، يثير هذا سؤالا، بالأساس في تيار «ماغا» الذي يرفع شعار «أميركا أولاً»، وهو سؤال مطروح قبل الإفراج عن الوثائق.

التساؤل، يتخذ أبعاداً سياسية خطيرة، حين يتم الربط بين التفاصيل التي تحتويها الوثائق والاتهامات لـ»الموساد» الإسرائيلي حين تقف على حقيقة لا تقبل التأويل.

هذه الحقيقة تكمن في أن إدارة ترامب، التي تمضي في مسار التضحية بتحالفات وحلفاء تاريخيين، وتنقلهم إلى أعداء، أو مستضعفين، وخاضعين، بينما الدولة العبرية هي الحليف الوحيد الذي بقي في الحضن الأميركي ويحظى بدعم سخي على مختلف المستويات.

قضية الفضيحة لا تزال تتفاعل في المجتمع الأميركي بما في ذلك في «الحزب الجمهوري»، وتنذر بكثير من الاصطدامات والصراعات، وقد تؤدي إلى فتح مسار لعزل ترامب.

ما تشهده أميركا وما تنتظره عن تداعيات وتطورات، ينبغي أن يثير الشماتة، فالآثار الجانبية الصعبة من شأنها أن تطال كل زوايا الكرة الأرضية، نظراً للدور المركزي الأخطبوطي التي تلعبه أميركا باقتصادها، وقوتها العسكرية، وديمقراطيتها وكل منظومة الحريات والحقوق.

الكل يخسر بما في ذلك وربما أولاً الدولة العبرية، التي تتنفّس من رئة أميركا.

المصدر : وكالة سوا

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد