شبكة راية الإعلامية - 2/5/2026 10:02:27 AM - GMT (+2 )
الكاتب: معروف الرفاعي
في زمنٍ تُحاصَر فيه الفكرة قبل الأرض، وتُستهدَف فيه الهوية قبل الحجر، يبرز رجال لا يكتفون بإدارة مؤسسة تعليمية، بل يعيدون تعريف معنى الجامعة ودورها:
هل هي قاعات ومحاضرات؟ أم مناعة شعب، وأمل جيل، وجواز سفر إلى العالم؟
جامعة العاصمة… حين يصبح العلم سياسة وطنية
جامعة القدس، بوصفها جامعة العاصمة، ليست مجرد عنوان جغرافي أو صفة بروتوكولية؛ إنها معنى سيادي راسخ في الوعي الفلسطيني. أن تكون القدس مركزًا للعلم كما هي مركز للروح والتاريخ.
من هذا المنطلق، لم يكن التطوير الذي شهدته الجامعة تحسينًا إداريًا عابرًا، بل نهجًا متكاملًا يحوّل الجامعة إلى مؤسسة وطنية شاملة: تصنع المعرفة، وتحمي الهوية، وتؤهّل المجتمع، وتخاطب العالم بلغة البحث والابتكار.
مدرسة «البذور»… الفكرة التي تُثمر وطنًا
ليس كل قائد يزرع. بعضهم يزيّن المشهد، وبعضهم يكرّر ما كان، لكن القليل من القادة يدركون أن النهضة تبدأ ببذرة: فكرة صغيرة، مشروع مُحكم، فرصة تُمنَح للموهوب، وإيمان صادق بأن الإنسان هو رأس المال الأكبر.
من هنا تتجسد "مدرسة البذور" :
البذرة التي تصير شتلة، والشتلة التي تصير شجرة، والشجرة التي تُعطي ثمرًا.
وهذا الثمر ليس شهادات فحسب، بل خريجون أقوياء، وباحثون مؤثرون، ومبادرات تقود المجتمع، وسمعة أكاديمية ترفع اسم فلسطين.
الوقف… حين تصبح الاستدامة واجبًا أخلاقيًا
في واقع هشّ التمويل وقاسٍ في القيود، لا يكفي أن تُدار الجامعة بإمكاناتها، بل يجب أن تُحمى بفكرة دائمة.
من هنا جاءت مبادرة الوقفيات الخيرية بوصفها فعلًا استراتيجيًا، لا تبرعًا موسميًا.
الوقف، في جوهره، إعلان واضح بأن التعليم العالي ليس مشروع سنة أو بند ميزانية، بل حق ممتد، ومسؤولية مستدامة، وسند للأجيال.
إنها نقلة نوعية أن تتحول الجامعة من مؤسسة تنتظر الدعم إلى مؤسسة تصنع ضمانها، وتبني ظهرها بوعي اجتماعي وخيري ووطني يليق بفلسطين.
الحاضنات الفكرية وحاضنات الأعمال… صناعة المواهب بدل انتظار المعجزات
لأن المعرفة وحدها لا تكفي إن لم تجد طريقها إلى المجتمع، جاءت فلسفة الحاضنات:
حاضنات فكرية تُنمّي العقول، وحاضنات إعلامية وريادية تُطلق المواهب، وتخلق الفرص، وتزرع الأمل.
في هذه الرؤية، الطالب ليس رقمًا في سجل، ولا مشروع تخرّج ينتهي؛ بل مشروع حياة يُكتشف، يُصقل، يُفتح له باب، ويُمنح حق التجربة والانطلاق.
البحث العلمي… هوية شعب وإرادة جيل
حين يصبح البحث العلمي «هوية شعب»، فهذه ليست استعارة جميلة، بل حقيقة سياسية ومعرفية.
الشعوب التي لا تُنتج معرفة تُستهلك روايتها، والأمم التي لا تكتب علمًا تُكتَب عنها التقارير بدل أن تكتب مستقبلها.
البحث العلمي هنا جواز سفر إلى العالم، يفتح أبواب الجامعات والمختبرات والمنتديات، ويثبت أن فلسطين ليست فقط ساحة صراع، بل ساحة عقل وإبداع، وقدرة على المشاركة في صناعة الإنسانية.
نموذج يجتمع عليه الجميع
في بلدٍ كثرت فيه الاختلافات، يصبح الإجماع عملة نادرة. لكن حين تجتمع المؤسسات والفعاليات والمرجعيات على تقدير أثر رجل، فهذا يعني أن الأثر لم يكن خطابًا، بل نتائج ملموسة: شراكات، وثقة، وسمعة، وبناء مؤسسي.
عماد أبو كشك، بهذا المعنى، يمثل نموذجًا أكاديميًا وإداريًا يخاطب الجميع ويسانده الجميع، لأنه لم يضع الجامعة في مربع ضيق، بل رفعها إلى مقامها الطبيعي: رافعة وطن.
القدس… خلف جامعتها… وخلف صانع نهضتها
القدس لا تحتاج جامعةً تُشبه غيرها.
القدس تحتاج جامعةً تُشبهها: ثابتة، عميقة، عزيزة، ومبدعة.
وحين تقودها رؤية تتعامل مع العلم بوصفه مقاومة راقية، ومع الوقف بوصفه درعًا للاستدامة، ومع البحث العلمي بوصفه رواية لا تندثر، فإننا لا نتحدث عن إدارة ناجحة فحسب، بل عن مشروع وطني متكامل.
ومن هنا تأتي الرسالة الأوضح:
أن جميع أركان القدس — أهلها، ومؤسساتها، وفعالياتها، ومرجعياتها — يقفون خلف جامعة القدس، وخلف صانع نهضتها.
لأن الجامعة لم تعد مجرد مؤسسة تعليمية، بل باتت عنوانًا للكرامة والمعرفة والصمود، ورافعة وطنية تُجسّد حضور القدس في الوعي، وتثبّت مكانتها في المستقبل كما هي راسخة في التاريخ والوجدان.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


