"دبوس جحا" الإسرائيلي: التقسيم المكاني كأداة استعمار صامت
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: بدر ابويوسف زماعرة


تشكل سياسات التقسيم المكاني التي انتهجتها سلطات الاحتلال الإسرائيلي في الأرضي الفلسطينية المحتلة إحدى أخطر أدوات السيطرة غير المباشرة على الإقليم والسكان، لما تحمله من آثار قانونية وجغرافية وإنسانية عميقة. فمنذ توقيع اتفاقية أوسلو، وما تبعها من تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق مصنفة A, B, C ، تحول هذا التصنيف من ترتيب انتقالي مؤقت إلى بنية استعمارية دائمة، أعيد من خلالها إنتاج المجال الجغرافي الفلسطيني بوصفه فضاءً مجزأً ومفككًا، تدار فيه الحياة اليومية بمنطق العزل والتقييد، وتقوض فيه إمكانية تشكل فضاءات مدنية مستقلة وقابلة للحياة.
في مواجهة هذا الواقع، برزت قرية الشباب كمبادرة مدنية تحاول استعادة المعنى الإنساني للمكان، من خلال توفير مساحة مفتوحة وآمنة تمارس فيها أنشطة تعليمية وثقافية ومجتمعية، ويعاد فيها وصل الشباب بأرضهم وبالحيز العام، بوصف ذلك حقًا أصيلًا لا امتيازًا مشروطًا. وانطلاقًا من أهمية هذا الدور، تحولت القرية إلى نقطة اهتمام إعلامي وحقوقي، ما دفع طاقمًا من الصحفيين المحليين والدوليين إلى التواجد في الموقع لتوثيق طبيعة هذه المساحة المدنية والسياق الذي تعمل ضمنه.
وخلال هذا التواجد، وبحضور عدد من الشباب والمستفيدين من أنشطة القرية، جرى إطلاق نار في محيط المنطقة، أعقبه اقتحام مباشر من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي والمستوطنين. ورغم الأجواء الأمنية المتوترة، واصل الصحفيون أداء عملهم المهني في التوثيق وإجراء المقابلات، ما أتاح تسجيل الحدث بصريًا وتوثيق وقائعه في لحظتها.
أثناء المداهمة، تقدمت ضابطة في الدورية العسكرية وطرحت سلسلة من المبررات المتتابعة للمطالبة بإخلاء المكان، في مشهد يعكس الكيفية التي تفعل بها سياسات التقسيم المكاني على الأرض.
المبرر الأول: الادعاء بكون الأرض "مراعي للمستوطنة"
استندت الضابطة في مبررها الأول إلى الادعاء بأن المنطقة التي تقع فيها قرية الشباب تعد "مراعي تابعة للمستوطنة"، وبالتالي يمنع التواجد الفلسطيني فيها. غير أن هذا الادعاء سقط أمام الوقائع القانونية التالية:
•    الأرض مصنّفة كملكية خاصة تعود لجمعية منتدى شارك الشبابي، ومخصصة لتحقيق النفع العام.
•    لا يوجد أي إعلان رسمي باعتبارها "أراضي دولة".
•    مفهوم "المراعي الاستيطانية" لا يستند إلى أي أساس في القانون الدولي الإنساني.
وعليه، فإن هذا الادعاء يفتقر إلى المشروعية القانونية، ويشكل توسيعًا تعسفيًا لمفهوم السيطرة العسكرية، بما يخالف المادة (46) من لوائح لاهاي لعام 1907 التي تحظر مصادرة الملكية الخاصة.
المبرر الثاني: "مساحات الأمان" لمستوطنة مستقبلية
بعد سقوط الادعاء الأول، جرى الانتقال إلى حجة ثانية مفادها أن المنطقة تعد "مساحات أمان لمستوطنة يتوقع الشروع في بنائها". وتثير هذه الذريعة إشكاليات قانونية بالغة الخطورة، أبرزها:
•    منع استخدام الأرض استنادًا إلى نية مستقبلية افتراضية، لا إلى واقع قائم.
•    أن مفهوم "المساحات الأمنية" لا يمنح سلطة الاحتلال حق منع السكان المحميين من الانتفاع بأراضيهم.
•    أن إنشاء المستوطنات بحد ذاته يشكل خرقًا جسيمًا للمادة (49/6) من اتفاقية جنيف الرابعة.
المبرر الثالث: الجسر المؤدي إلى المبنى مصنّف منطقة  (C) 
عند فشل المبررين السابقين، طرح المبرر الثالث، ومفاده أن المبنى الذي تتواجدوا فيه مصنّف ضمن المنطقة (B)، إلا أن الجسر أو الطريق المؤدي إليه يمر عبر منطقة مصنّفة (C)، وبالتالي لا يحق للفلسطينيين استخدام هذا المسار.
وهنا تتجلى أخطر صور الهندسة الجغرافية للاحتلال؛ إذ لا يجري منع الوجود في المكان ذاته، بل منع الوصول إليه. وبذلك تتحول السيطرة من سيطرة على الأرض إلى سيطرة على الحركة، في انتهاك مباشر للمادة (27) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تكفل حرية تنقل السكان المحميين ضمن حدود الضرورة العسكرية الضيقة.
"دبوس جحا" كمنهج استعماري
يمكن توصيف هذه الممارسة ضمن ما يعرف مجازيًا بـ "دبوس جحا"؛ أي زرع نقاط تصنيف (C) صغيرة بين المناطق الفلسطينية المصنفة (A) و(B)، بما يسمح بخنق الحياة الفلسطينية دون الحاجة إلى أوامر إغلاق شاملة أو إعلان ضم رسمي.
تكشف قرية الشباب أن الاحتلال لم يعد بحاجة إلى أدوات القمع التقليدية، بل يكتفي بزرع "دبابيس" جغرافية دقيقة، تتحول مع الوقت إلى منظومة خنق كاملة. فبين مبنى مصنّف (B) وطريق قصير مصنّف (C)، تُفرَّغ الحقوق من مضمونها، وتُعطَّل إمكانية الانتفاع بالأرض، ويُعاد إنتاج الاحتلال عبر غطاء قانوني شكلي.
فالتصنيف (C) لا يُسقط الملكية الفلسطينية، ولا يُنشئ حقًا للاحتلال، ولا يبرّر منع التواجد أو العمل في الأرض، إذ تبقى هذه الأراضي حقًا أصيلًا لأصحابها الفلسطينيين. غير أن تحويل هذا التصنيف إلى أداة منع فعلي جعل من بضعة أمتار فاصلة وسيلة للتحكم بالحركة، وتعطيل الحياة اليومية، وتحويل الاستثناء المؤقت إلى قاعدة دائمة.
إن ما يجري ليس خللًا في تطبيق الاتفاقيات، بل توظيفًا مقصودًا لها خارج غاياتها، بما يحوّل القانون من أداة حماية إلى وسيلة إقصاء، ومن نص انتقالي مؤقت إلى نظام استعمار دائم. وهو ما يجعل من "دبوس جحا" توصيفًا دقيقًا لطبيعة الاحتلال في الضفة الغربية: احتلال لا يمنعك من الوجود مباشرة، بل يمنعك من الوصول… ثم يطالبك بالمغادرة.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد