المجتمع المدني في زمن الانكشاف: حين يصبح حماية الناس واجبًا وطنيًا
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: د.ياسر أبوبكر

في هذه المرحلة الفلسطينية القاسية، حيث تتقاطع الحرب مع الحصار، والانهيار الاقتصادي مع التآكل الاجتماعي، لم يعد السؤال المطروح: ما دور المجتمع المدني؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: هل يمكن للمجتمع أن يصمد أصلًا دون مجتمع مدني فاعل، منظم، ومسؤول؟
الواقع يقول بوضوح إن لحظات الانكشاف الوطني تكشف أيضًا البنية العميقة للمجتمع. حين تتراجع قدرة المؤسسات الرسمية بفعل القيود السياسية والمالية، وحين تتسع الفجوة بين الاحتياج والاستجابة، ينتقل العبء - بحكم الواقع - إلى مؤسسات المجتمع المدني والعمل الأهلي . هناك، في الميدان، لا في القاعات، يتحدد المعنى الحقيقي للشراكة الوطنية. فإما أن يكون المجتمع المدني جزءًا من الحل، أو يتحول - دون أن يقصد - إلى إدارة مؤقتة للألم.
خلال الأشهر الماضية، أتيح لي أن أستمع إلى مقاربات عميقة ومداخلات صريحة في أكثر من لقاء وحوار، مع قامات وخبرات وازنة في المجتمع المدني والعمل الأهلي في أكثر من مكان. لم تكن تلك الطروحات دفاعًا عن مصالح قطاعية، بل قراءة نقدية للواقع ومحاولة لإعادة صياغة العلاقة بين النظام السياسي والمجتمع المدني في ظل ظرف استثنائي.
الأفكار التي طُرحت علينا لم تأتِ في صيغة بيانات جاهزة، بل في صيغة أسئلة مقلقة: كيف ننتقل من العمل المجزأ إلى العمل المتكامل؟ كيف نحمي استقلالية المجتمع المدني دون أن نتركه يعمل في فراغ تنسيقي؟ كيف نمنع تضارب المبادرات وتكرار الجهود في وقت لا يحتمل الهدر؟
ومن بين ما تكرر في تلك الحوارات ثلاث ركائز اعتبرها المتحدثون شرطًا من شروط النجاح:
أولًا: التكامل. أي كسر منطق الجزر المنفصلة، والانتقال من مشاريع متوازية إلى رؤية وطنية مشتركة ترى الإنسان كوحدة واحدة، لا كملفات متفرقة بين تعليم وصحة وإغاثة وحقوق.

ثانيًا: البيئة التمكينية. إذ لا يمكن تحميل المجتمع المدني أدوارًا كبرى في ظل بيئة إدارية معقدة أو قيود تنظيمية تعرقل المبادرات وتستهلك الجهد في الإجراءات بدل الأثر.

ثالثًا: التراكم. أي البناء على الخبرة المتراكمة وتحويلها إلى معرفة مؤسسية، بدل إعادة اختراع العجلة في كل مرحلة أو كل أزمة.

هذه ليست أفكارًا ننسبها لأنفسنا، بل هي خلاصة ما سمعناه من خبراء وممارسين نذروا سنوات طويلة في العمل الأهلي. لكن أهميتها تحتم علينا أن نكررها ونضعها في سياق رأي عام، لأنها تمس المصلحة الوطنية المباشرة.
ولم تتوقف النقاشات عند مستوى المبادئ، بل انتقلت إلى خطوات تنفيذية واضحة طُرحت للنقاش. أولها الدعوة إلى مسار سريع لتجاوز البيروقراطية في القضايا الإنسانية والتنموية الملحّة، عبر آلية مختصرة لاتخاذ القرار والمتابعة، تقلل الفجوة الزمنية بين التشخيص والتنفيذ. ليس المقصود تجاوز القانون، بل تبسيط الإجراء وتسريع الاستجابة في ظرف استثنائي.
الخطوة الثانية التي طُرحت كانت إنشاء Think Tank وطني - عقل استراتيجي جامع - يضم خبرات من المجتمع المدني والجامعات والجهات الرسمية، مهمته تقديم رؤية شاملة، وصياغة أولويات، واقتراح سيناريوهات، وتحويل التراكم الميداني إلى معرفة سياساتية قابلة للتطبيق. فكرة تقوم على أن القرار الرشيد يحتاج إلى عقل جمعي منظم، لا إلى ردود فعل متفرقة.
أما الخطوة الثالثة فتمثلت في ضرورة بلورة خطة عمل وطنية مشتركة، واضحة الأهداف، محددة المراحل، تقوم على توزيع أدوار تكاملي بين الجهد الرسمي والجهد المجتمعي، وتخضع لمراجعة دورية وفق مؤشرات أداء معلنة.
وفي كل تلك الطروحات، كان هناك تأكيد واضح على أن المطلوب ليس إنشاء جسم فوق أحد، ولا فرض صيغة جاهزة مسبقًا، بل بناء إطار يضمن حوارًا مستدامًا ومنتظمًا، تصوغه مكونات المجتمع المدني نفسها، وتضمن القيادة السياسية استمراريته واحترام استقلاليته، مع وجود آلية متابعة مؤسسية جادة .وقد جاء هذا المعنى مؤكدًا بوضوح في اللقاء الذي جمع نائب الرئيس الفلسطيني يوم أمس بوفد من مؤسسات المجتمع المدني، حيث قدّم خطابًا إيجابيًا ومتقدمًا أكد فيه أن لا صيغة مفروضة، وأن الحوار يجب أن يُبنى بالتوافق، وأن الشراكة ليست إجراءً بروتوكوليًا بل التزامًا سياسيًا بضمان الاستمرارية والاستقلالية. هذا الموقف يفتح الباب أمام مرحلة أكثر نضجًا في العلاقة بين النظام السياسي والمجتمع المدني، عنوانها الشراكة المسؤولة لا الاحتواء.

الناس اليوم لا تنشغل كثيرًا بمسميات الأطر، بل بنتائجها. من ينسّق بدل أن ينافس؟ من يرى الصورة الكاملة بدل معالجة الأعراض؟ من يحول النية الحسنة إلى أثر ملموس؟
في تقديري، إعادة طرح هذه الأفكار في المجال العام ليست ترفًا فكريًا، بل واجبًا وطنيًا. فالمجتمع المدني اليوم ليس هامشًا في المشهد، بل أحد أعمدة الصمود. وحمايته لا تعني حمايته من الدولة، بل حمايته بالتنظيم، وبالحوار المستدام، وببيئة تمكينية تحرره من العوائق غير الضرورية.
هذا وقت الإصغاء العميق لا الادعاء. ووقت البناء المؤسسي لا الخطابات. وإذا كانت هذه الأفكار قد طُرحت علينا بصدق ومسؤولية، فإن تكرارها اليوم بصيغة رأي عام هو أقل ما يمكن فعله أمام حجم التحدي الذي يواجه مجتمعنا.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد