شبكة راية الإعلامية - 2/5/2026 11:10:24 AM - GMT (+2 )
الكاتب: محمد مسالمة
في كل دورة انتخابية للهيئات المحلية، يتكرر المشهد ذاته: تركيز شعبي وإعلامي لافت على شخصية من يكون رئيس البلدية، مقابل غض نظر واضح عن أهمية أعضاء المجلس البلدي، وكأن دورهم ثانوي أو تكميلي.. هذا الاتجاه السائد يكشف عن خلل عميق في فهم بنية الحكم المحلي، وتوزيع الصلاحيات، وجوهر العمل البلدي.
الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن المجلس البلدي، بمجموع أعضائه، هو السلطة الأعلى في الهيئة المحلية.. فهو الجهة التشريعية والرقابية وصاحبة القرار والتخطيط، وهو من يقر الموازنات، ويضع السياسات العامة، ويراقب الأداء التنفيذي، ويحدد أولويات التنمية، ويتحمل المسؤولية الجماعية عن مستقبل البلدة أو المدينة,, أما رئيس البلدية، فرغم رمزيته وأهميته، فإن دوره التنفيذي والتمثيلي يبقى جزءاً من منظومة أوسع يقودها المجلس بشكل عام (إذا كان على قد حاله)، وهنا مربط الفرس في أن يكون المجلس مؤلف من كفاءات تعرف حجمها ووزنها وصلاحياتها ومناطق تدخلها ومداخلها ومخارجها!
من هنا، فإن اختزال الانتخابات في سؤال: "من هو رئيس البلدية؟" يفرغ التجربة المحلية من مضمونها الحقيقي.. حتى أقوى رئيس بلدية، وأكثرهم كفاءة، لا يستطيع العمل بمعزل عن مجلس واعٍ، خبير، ومؤهل.. بل إن رئيساً قوياً مع مجلس ضعيف قد يقود إلى قرارات مرتجلة، أو غياب الرقابة، أو تعطيل للمساءلة، وهو ما يتنافى مع أسس الحكم الرشيد كذلك.
المنطق السليم يقتضي أن تكون معايير اختيار أعضاء المجلس البلدي أعلى من حيث الخبرة والمعرفة والتخصص، فعضو المجلس يجب أن يمتلك فهماً عميقاً للتشريعات، والإدارة المالية، والتخطيط الحضري، والتنمية المحلية، وأن يكون قادراً على الاستشارة، والتحليل، واتخاذ القرار المسؤول.. هذه ليست مواقع شرفية أو تمثيلية، بل مواقع سيادية محلية تتطلب كفاءات عليا ورؤية استراتيجية.
في المقابل، يمكن لرئيس البلدية أن تبنى معايير اختياره بدرجة أكبر على قدرته على التنفيذ، والإدارة اليومية، والتمثيل الرسمي، والتواصل مع الجهات المختلفة، وتحويل قرارات المجلس إلى واقع عملي.. أي أن قوته الحقيقية تنبع من التزامه بقرارات المجلس، لا من التفرد بها.
الأهم من ذلك أن يكون أعضاء المجلس البلدي أنفسهم على دراية كاملة باتساع صلاحياتهم، وسمو مكانتهم، ورفعة دورهم، فالعضوية ليست مجرد مقعد أو وجاهة اجتماعية، بل أمانة ومسؤولية عامة تتطلب وعياً بالدور، وشجاعة، واستقلالية في القرار، وحرصاً على المصلحة العامة بعيداً عن الشخصنة أو التبعية.
إن إصلاح مسار العمل البلدي لا يبدأ فقط من الصندوق، بل بوعي وإدراك المرشح لحجم الدور الذي يسعى إليه، وحين نصل إلى مرحلة نحسن فيها اختيار المجلس قبل الرئيس، نكون قد وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح نحو حكم محلي فاعل، قادر على صناعة التنمية لا إدارتها فحسب!
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


