شبكة راية الإعلامية - 2/6/2026 2:20:27 PM - GMT (+2 )
قُتل خلال 36 يومًا منذ بداية العام الحالي وحتى أمس، الخميس، 36 إنسانًا في المجتمع العربي بالداخل الفلسطيني، بينهم 26 قُتلوا الشهر الماضي وعشرة خلال الأيام الخمسة الأولى من شباط/فبراير الجاري.
ووفق تقرير لموقع "عرب 48"، هذا يعني بحسابات جافة أن 0.83 إنسان قُتل كل يوم في كانون الثاني/يناير الفائت، لكن هذا المعدل ارتفع في الشهر الحالي إلى قتيلين يوميًا. وإذا استمر حال الجريمة بهذا الشكل، فإن حصيلة القتلى في المجتمع العربي قد تصل إلى أكثر من 300 إنسان، علمًا أن العام الماضي سجل أعلى حصيلة: 252 قتيلًا.
هذه حصيلة قتلى ليست عادية في مجتمع بالكاد يصل عدد أفراده إلى 1.7 مليون نسمة، حسب الإحصائيات الرسمية وبدون سكان القدس المحتلة. وذكرت الأمم المتحدة أن وحدة رصد حقوق الإنسان في أوكرانيا أكدت أن 2514 مدنيًا أوكرانيًا قُتلوا جراء الحرب في العام 2025، ويشكل هؤلاء القتلى نسبة 0.006% من مجمل سكان أوكرانيا، بينما نسبة القتلى في المجتمع العربي في العام نفسه هي 0.015%. أي أن ضحايا جرائم القتل هنا أكثر من ضعف الضحايا المدنيين الأوكرانيين في الحرب. كأن ضحايا جرائم القتل هنا هم ضحايا حرب.
جرائم القتل في المجتمع العربي هي حرب فعلًا، تشنها إسرائيل ضد هذا المجتمع. وهذه حرب معلنة ضد المواطنين العرب منذ النكبة، مرورًا بمجزرة كفر قاسم في العام 1956، ويوم الأرض في العام 1976، وهبة أكتوبر في العام 2000، التي ارتكبت فيها الشرطة الإسرائيلية جرائم قتل بشعة. لكن بين هذه المحطات التاريخية، قُتل مواطنون عرب كثيرون برصاص الشرطة.
في السنوات الأخيرة، جرائم القتل ضد المجتمع العربي لا ترتكبها الشرطة مباشرة، وإنما أفراد في المجتمع العربي، سواء كانوا أفرادًا عاديين أو عناصر في عصابات إجرامية. لكن هذه الحقيقة لا تبرئ الشرطة والسلطات الإسرائيلية، لأن جميع جرائم القتل هذه ارتُكبت بسلاح غير مرخص يُباع في السوق السوداء لكل من يريد شراءه، ولأن ملاحقة الجناة شبه معدومة.
المعطيات الإسرائيلية الرسمية تتحدث عن وجود كميات أسلحة هائلة منتشرة في المجتمع العربي، لكن السلطات لا تفعل شيئًا. وواضح أن انتشار السلاح مريح للسلطات، التي تعتبر أنه يصب في مصلحتها. في الماضي، كانت تقول جهات إسرائيلية إن انتشار السلاح بين العرب، رغم أنه كان أقل بما لا يقارن مع انتشاره في السنوات الأخيرة، هو خطر أمني، وكانت هذه الجهات تتحدث عن أن هذا السلاح يمكن أن يوجه في يوم ما ضد إسرائيل، في عمليات مسلحة مثلًا. لكن هذا الخطاب اختفى.
لماذا اختفى؟ لأن العرب صاروا يقتلون بعضهم. ولم تعد هناك ضرورة لجمع السلاح غير المرخص. والحقيقة هي أن أجهزة الأمن الإسرائيلية، أي الشرطة والشاباك، لا تنفذ حملات لجمع السلاح غير المرخص. قد تنفذ الشرطة "حملة" لجمع عدد قليل للغاية من المسدسات والبنادق، لكن لا توجد حملات واسعة لجمع السلاح المنتشر بشكل هائل ورهيب.
حسب مركز الأبحاث والمعلومات التابع للكنيست، دلّت معطيات الشرطة على مقتل 961 شخصًا في 891 جريمة قتل، في الفترة بين مطلع العام 2021 وآذار/مارس 2025، و76% من القتلى كانوا عربًا و19% يهودًا و6% غير مصنفين دينيًا. وتوصلت الشرطة إلى الجناة في 65% من الجرائم في المجتمع اليهودي، وفي أقل من 20% من الجرائم في المجتمع العربي.
تؤكد هذه المعطيات أن الشرطة لا تبذل جهدًا من أجل التوصل إلى الجناة في المجتمع العربي، ليس بسبب نقص في القوى العاملة والمحققين وإنما بسبب سياسة عنصرية، ليس من جانب جهاز الشرطة فقط، وإنما بالأساس من جانب الوزير المسؤول عن الشرطة، إيتمار بن غفير، الذي يتلقى دعمًا مطلقًا من جانب رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، لتنفيذ هذه السياسة العنصرية وتشجيع الجريمة في المجتمع العربي.
طالبت المحكمة العليا نتنياهو، هذا الأسبوع، بتفسير رفضه إقالة بن غفير من منصبه، بسبب تدخل الأخير في عمل الشرطة وتحقيقاتها والامتناع عن تعيين ضباط، لكن صحيفة "هآرتس" أفادت، أمس، بأن نتنياهو يسعى إلى نقل هيئة مكافحة الجريمة في المجتمع العربي من مكتبه إلى مسؤولية وزارة بن غفير.
رغم تفاقم الجريمة في المجتمع العربي بدون أي أفق لمواجهتها، إلا أن نتنياهو زعم خلال خطابه في الكنيست، قبل أسبوعين، أن "أنشطة اجتثاث الجريمة تأتي استمرارًا للعمل المتواصل لهيئة مكافحة الجريمة في المجتمع العربي الذي استأنفته في هذه الولاية في مكتب رئيس الحكومة. ونحن نكافح ظاهرة السلاح غير القانوني وتهريب الأسلحة، في المستوى العملياتي وكذلك في المستوى التشريعي".
نتنياهو لا يتطرق ولا يتحدث أبدًا عن الجريمة في المجتمع العربي، وبذلك هو يخون منصبه بشكل واضح. وقد أُرغِم على التحدث في الموضوع قبل أسبوعين، بسبب جمع تواقيع أربعين عضو كنيست لمناقشة موضوع الجريمة المستفحلة، ولذلك اضطر إلى الإدلاء بأقواله التي لا توجد أي صلة بينها وبين الواقع.
سياسة واحدة في غزة والضفة وفي المجتمع العربي
حرب الإبادة في غزة متواصلة، واستهداف الفلسطينيين في الضفة الغربية بالقتل والتدمير والاستيلاء على الأراضي وانفلات المستوطنين مستمر، كممارسات إسرائيلية يندمج فيها تشجيع الجريمة في المجتمع العربي، في إطار توحيد الساحات الفلسطينية من أجل استهداف كل ما هو فلسطيني.
الفلسطينيون لا ينفذون جرائم قتل في الضفة الغربية. هذه الجرائم ينفذها الجيش الإسرائيلي والمستوطنون، الذين تتزايد جرائمهم طوال الوقت بتشجيع من السلطات الإسرائيلية، إذ يشكل المستوطنون ذراعًا إسرائيليًا إرهابيًا ضد الفلسطينيين.
حسب معطيات نشرتها الشرطة الإسرائيلية، هذا الأسبوع، فإن مستوطنين نفذوا أربعة اعتداءات إرهابية يوميًا ضد فلسطينيين في الأسبوعين الأولين من العام 2026، واعتداءات المستوطنين الإرهابية ارتفعت بنسبة 25% في العام 2025 قياسًا بالعام 2024، و95% من اعتداءات المستوطنين الإرهابية تحدث غالبًا في المناطق A وB، اللتين تتواجد فيهما المدن الفلسطينية والغالبية العظمى من القرى، وتشكل مساحة هاتين المنطقتين أقل من 40% من مساحة الضفة الغربية.
وبسبب عدم ملاحقة الشرطة الإسرائيلية لهؤلاء المستوطنين الإرهابيين، وعدم محاكمتهم، بسبب ضغوط يمارسها بن غفير على الشرطة، فإن السلطات الإسرائيلية تسمح عمليًا بانفلات هؤلاء الإرهابيين ضد الفلسطينيين وسرقة أراضيهم وإقامة بؤر استيطانية فيها. ووسع هؤلاء المستوطنون اعتداءاتهم على التجمعات البدوية في الضفة وطرد سكانها من بيوتهم وأراضيهم، لدرجة أن تجمعات كهذه، بينها رأس عين العوجا، أصبحت خالية من الفلسطينيين، حسب تقرير نشرته "هآرتس" هذا الأسبوع.
لم يكن أمام سكان رأس عين العوجا سوى تقديم التماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، في شهر آذار/مارس من العام الماضي، للمطالبة بأن توفر قوات الأمن الإسرائيلي الحماية لهم من إرهاب المستوطنين المتكرر ضدهم. لكن المحكمة العليا أرجأت النظر في الالتماس مرة تلو الأخرى، وعقدت جلسة للنظر فيه، يوم الإثنين الماضي. وطالب السكان في الالتماس أن تصدر المحكمة أمرًا احترازيًا تُغلق بموجبه القرية أمام المستوطنين.
لكن مندوب النيابة العامة قال للمحكمة إن قائد المنطقة العسكري قال إنه لا يوجد مبرر لإغلاق القرية أمام المستوطنين، وأنه تعالت إمكانية تواجد قوة عسكرية دائمة، "لكن هذا لن يحدث بسبب عدم وجود قوات كافية لمهمة كهذه"، وذلك رغم أن الجيش الإسرائيلي يرسل قوات كبيرة لحراسة البؤر الاستيطانية التي يتواجد فيها المستوطنون الإرهابيون.
ولم تصدر المحكمة العليا قرارًا في التماس سكان رأس عين العوجا، لكن "هآرتس" أشارت إلى أن المحكمة العليا أصدرت قرارات، في السنتين الأخيرتين، أمرت فيها السلطات بالسماح بعودة سكان عدة تجمعات بدوية إلى بيوتها وحراستهم بعد أن أُرغموا على مغادرة أراضيهم بسبب إرهاب المستوطنين، إلا أن عودتهم لم تُنفذ رغم تنسيقها مع الجيش الإسرائيلي وبسبب استمرار اعتداءات المستوطنين وعدم إنفاذ الجيش القانون ضد المستوطنين.
نتنياهو يعتبر أنه يستفيد من الحروب
رغم الادعاء بأن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فرض على نتنياهو خطته المؤلفة من 20 بندًا وتشمل وقف إطلاق النار، إلا أن نتنياهو يعلن صراحة أنه ليس ملتزمًا بها. وإسرائيل تلتزم عادة بما تريده في أي اتفاق تبرمه، وتتجاهل ما لا تريده. فقد التزمت بالمرحلة الأولى من الخطة التي تقضي بتبادل الأسرى لأنه لم يعد بإمكان نتنياهو تجاهل بقاء الأسرى الإسرائيليين في غزة أمام الرأي العام الإسرائيلي، ولأن مصلحته السياسية عشية الانتخابات العامة تقضي باستعادتهم.
لكن نتنياهو يعتبر أن مصلحته السياسية ذاتها، عشية الانتخابات، تقضي باستمرار الحرب على غزة، ولذلك يرفض وقف إطلاق النار، وأعلن أنه يرفض الانتقال إلى المرحلة الثانية أيضًا من خطة ترامب، بإعادة إعمار قطاع غزة، بادعاء أنه يجب نزع سلاح حماس أولًا. واستمرت إسرائيل منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، في 11 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بإطلاق النار على الغزيين، لكن في الأسبوعين الأخيرين، في موازاة إعلان الولايات المتحدة عن بدء المرحلة الثانية، عاد الجيش الإسرائيلي إلى قتل عشرات الغزيين يوميًا.
وتهدد إسرائيل الآن بأنها ستعيد احتلال قطاع غزة كله بادعاء نزع سلاح حماس وتدمير الأنفاق. وذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أمس، أن الجيش الإسرائيلي يستعد لاستدعاء قوات احتياط من أجل شن اجتياح بري في القطاع، وأن شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل المقبلين هما "الموعد المريح" لشن اجتياح كهذا من الناحية السياسية. ويقول الجيش الإسرائيلي إن خطط هذا الاجتياح باتت جاهزة.
يعتقد نتنياهو أنه سيستفيد في الانتخابات من وجود إسرائيل في حرب، ليس في غزة فقط وإنما ضد إيران أيضًا. وليس مستبعدًا أبدًا أنه يحرض ترامب على شن حرب ضد إيران، ويكرر أن مفاوضات أميركية – إيرانية لا فائدة منها. وفيما أظهرت إيران ليونة في موقفها حيال تقليص برنامجها، تطالب إسرائيل ترامب بأن يفرض على إيران وقف إنتاج صواريخ باليستية، ما يعني إلغاء قدرات إيران الدفاعية، وذلك من أجل أن ترفض إيران شروطًا كهذه ووقف الأميركيين المحادثات معها والانتقال إلى حرب ضدها.
حسب استطلاع نشره "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، هذا الأسبوع، فإن 48% من الإسرائيليين يؤيدون مشاركة إسرائيل في هجوم أميركي محتمل ضد إيران فقط في حال تعرضها لهجوم إيراني، بينما يؤيد 46% ضلوعًا عسكريًا إسرائيليًا مباشرًا في هجوم كهذا بالتنسيق مع الولايات المتحدة. وتشير التقديرات إلى أن إيران ستطلق صواريخ على إسرائيل في حال تعرضت لهجوم أميركي واسع، وتهدد إسرائيل بأنها سترد على هجوم صاروخي إيراني عليها بهجوم واسع في إيران، ويبدو أن نتنياهو يعتمد على ذلك بدعوته ترامب إلى طرح "مطالب تعجيزية" على الإيرانيين، مثل وقف إنتاج الصواريخ الباليستية.
إقرأ المزيد


