شبكة راية الإعلامية - 3/30/2026 12:42:33 PM - GMT (+2 )
الكاتب: فراس صالح
في الوقت الذي تستحوذ فيه الحروب الإقليمية على شاشات العالم واهتماماته، تتعرض الضفة الغربية لتحول عميق وصامت يعيد تشكيل واقعها الجغرافي والديموغرافي على نحو جذري. هنا لا تدور حرب تقليدية تُقاس بالصواريخ والغارات، بل عملية بطيئة وممنهجة تستهدف إعادة هندسة الأرض والإنسان معاً، بما يقوّض إمكانية وجود فلسطيني متماسك في المستقبل. إنها حرب بلا ضجيج، لكنها أكثر خطورة من المواجهات المفتوحة، لأنها تُراكم وقائع يصعب التراجع عنها لاحقاً.
المعطيات الميدانية خلال الأسابيع الأخيرة تكشف عن تصعيد نوعي في اعتداءات المستوطنين، سواء من حيث العدد أو مستوى التنظيم. هذه الاعتداءات باتت جزءاً من نمط عمل منظم يهدف إلى فرض واقع جديد بالقوة. القتل، إحراق الممتلكات، الاعتداء على المزارعين، وفرض الحصار على القرى، كلها أدوات في استراتيجية ترهيب ممنهج تدفع السكان إلى الرحيل القسري. وما يحدث ليس مجرد عنف، بل عملية اقتلاع تدريجي للسكان الأصليين من أرضهم.
في هذا السياق، يأخذ التهجير طابعاً بنيوياً لا يرتبط بقرارات رسمية معلنة، بل بتراكم من الضغوط اليومية التي تجعل الحياة مستحيلة. تجمعات بدوية تُفرغ بالكامل، عائلات تُجبر على الرحيل، وأراضٍ تُترك قسراً تحت وطأة الخوف وانعدام الأمان. هذه أهداف مباشرة لسياسة تسعى إلى إعادة توزيع السكان بما يخدم التوسع الاستيطاني. إنها عملية "تطهير صامت" تُنفذ ببطء محسوب، يفتقر إلى الدراما الإعلامية، لكنه يُحدث تحولاً عميقاً في الواقع.
الأخطر في هذا المشهد هو الطابع المؤسسي المتزايد لهذه العملية. فالعلاقة بين المستوطنين وأجهزة الدولة لم تعد علاقة تغاضٍ أو دعم غير مباشر، بل تحولت إلى تكامل وظيفي واضح. المستوطنون يفرضون الوقائع على الأرض عبر العنف، ثم تتدخل المؤسسات الرسمية لتثبيت هذه الوقائع قانونياً وإدارياً، سواء عبر شرعنة البؤر الاستيطانية أو توفير الحماية العسكرية لها. بهذا المعنى، لم يعد الاستيطان مشروعاً هامشياً لجماعات متطرفة، بل سياسة دولة متكاملة تستخدم أدوات متعددة لتحقيق هدف واحد: السيطرة على الأرض دون سكانها.
هذا النمط من السيطرة لا يعتمد على إعلان رسمي بالضم، بل على خلق واقع يجعل الضم نتيجة طبيعية لا تحتاج إلى قرار سياسي. شق الطرق الالتفافية، توسيع المستوطنات، تقسيم الأراضي إلى كانتونات معزولة، وتقييد حركة الفلسطينيين، كلها خطوات تفضي إلى تفكيك الجغرافيا الفلسطينية وتحويلها إلى جزر منفصلة تفتقر إلى أي تواصل حقيقي. ومع مرور الوقت، يصبح الحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة مجرد وهم سياسي لا يستند إلى واقع.
في المقابل، يتراجع الموقف الدولي إلى مستويات غير مسبوقة من العجز أو التواطؤ الضمني. فبينما تتواصل عمليات الاستيطان والتهجير، لا يواجه هذا المسار أي ردع فعلي، بل تُتخذ أحياناً خطوات سياسية ودبلوماسية تُسهم في تكريس الأمر الواقع. هذا التحول لا يعكس فقط انشغال العالم بأزماته، بل أيضاً قبولاً متزايداً بفكرة أن ما يُفرض على الأرض يمكن أن يتحول إلى حقيقة سياسية معترف بها.
ضمن هذا السياق، تبدو الخطوات الأمريكية الأخيرة ذات دلالة خاصة، إذ تتجاوز الدعم السياسي التقليدي إلى المساهمة المباشرة في ترسيخ الوقائع الاستيطانية. عندما تُقدم خدمات رسمية داخل مستوطنات، أو تُتخذ إجراءات تُضفي طابعاً إدارياً طبيعياً على وجودها، فإن ذلك يعني عملياً إعادة تعريف الأرض المحتلة بوصفها مجالاً قابلاً للإدارة والتطبيع، وليس نزاعاً سياسياً مفتوحاً على الحل. هذا التحول يُضعف الأساس القانوني للقضية الفلسطينية، ويُعزز منطق "الأمر الواقع" كبديل عن القانون الدولي.
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في السياسات الإسرائيلية أو التحولات الدولية، بل أيضاً في الحالة الفلسطينية ذاتها. فالمشهد يكشف عن فراغ استراتيجي عميق، حيث تغيب الرؤية الموحدة القادرة على مواجهة هذا التحول. تقتصر الاستجابة في كثير من الأحيان على بيانات سياسية وتحركات دبلوماسية محدودة، دون وجود استراتيجية شاملة تجمع بين العمل الميداني والسياسي والقانوني في إطار واحد.
هذا الغياب ينعكس بشكل مباشر على الأرض، حيث يواجه السكان اعتداءات منظمة بجهود فردية تفتقر إلى التنسيق والدعم. المزارعون، والرعاة، وسكان القرى، يقفون في مواجهة عنف مسلح ومنظم، بإمكانات محدودة وإرادة فردية لا تجد ترجمة جماعية. ورغم ما تحمله هذه المواجهات من شجاعة، فإنها تظل عاجزة عن إحداث تغيير في ميزان القوى، بل تتحول أحياناً إلى استنزاف مستمر دون أفق واضح.
في ظل هذا الواقع، تتكرس معادلة الإفلات من العقاب كقاعدة ثابتة. فالمستوطنون يدركون أن احتمالات المساءلة تكاد تكون معدومة، وأن ما يُفرض بالقوة يمكن تثبيته لاحقاً بالقانون. هذه القناعة لا تعزز فقط استمرار الاعتداءات، بل تدفع نحو مزيد من الجرأة والتصعيد، خاصة في ظل بيئة سياسية داخلية تشجع على التوسع وتمنح غطاءً رسمياً له.
النتيجة المباشرة لهذا المسار هي تحول تدريجي في بنية الضفة الغربية، يجعل من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، العودة إلى ما كان عليه الوضع سابقاً. التهجير المستمر، وتفكك الجغرافيا، وتآكل الموارد، كلها عوامل تُعيد تشكيل الواقع على نحو دائم. ومع مرور الوقت، يتحول "الضم الصامت" إلى حقيقة قائمة، لا تحتاج إلى إعلان رسمي لأنها تحققت فعلياً على الأرض.
أمام هذا المشهد، يصبح السؤال عن البديل سؤالاً وجودياً. فاستمرار النهج الحالي، سواء على المستوى الدولي أو الفلسطيني، يعني عملياً القبول بتآكل تدريجي للوجود الفلسطيني في الضفة الغربية. لذلك، فإن التحدي لم يعد يقتصر على مواجهة الاحتلال، بل يتطلب إعادة بناء استراتيجية وطنية شاملة قادرة على التعامل مع هذا الواقع المعقد.
هذه الاستراتيجية يجب أن تتجاوز الانقسام، وتعيد الاعتبار لفكرة العمل الجماعي المنظم، بحيث تتحول المبادرات الفردية إلى قوة مجتمعية قادرة على الصمود والمواجهة. كما يجب أن تجمع بين أشكال متعددة من النضال، من المقاومة الشعبية المنظمة إلى العمل السياسي والقانوني، في إطار متكامل يهدف إلى فرض كلفة حقيقية على مشروع الاستيطان.
في غياب مثل هذه الرؤية، ستبقى الضفة الغربية ساحة مفتوحة لعملية ضم تدريجي تتقدم بثبات، مستفيدة من غياب الردع الدولي والانقسام الداخلي. وهكذا، تستمر آلة الاستيطان في العمل بصمت، لكنها تُعيد رسم خريطة المستقبل على نحو قد لا يمكن تغييره لاحقاً.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


