وكالة سوا الاخبارية - 4/12/2026 2:12:28 PM - GMT (+2 )
لم يعد الحديث عن مأزق إسرائيل الاستراتيجي توصيفاً خارجياً أو موقفاً سياسياً، بل بات استنتاجاً يتكرر على ألسنة باحثين ومسؤولين إسرائيليين أنفسهم. في خضم التصعيد الإقليمي المتدحرج منذ السابع من أكتوبر، لم تعد التناقضات في الخطاب والسلوك الإسرائيلي مجرد ارتباك سياسي عابر، بل تحوّلت إلى مرآة تعكس أزمة أعمق في بنية القرار ذاته. فحين تعلن الحكومة الإسرائيلية ضرورة نزع سلاح حزب الله، وتواصل في الوقت نفسه قصف لبنان، ثم تنخرط في مفاوضات مع لبنان تحت النار، فإننا لا نكون أمام استراتيجية متماسكة، بل أمام تخبّط محكوم بضغوط متعارضة ورهانات غير محسوبة.
هذا ما يلتقطه بوضوح الباحث الإسرائيلي ميخائيل ميلشتاين، الذي يرى أن هذه التناقضات تعكس “توتراً شديداً” يعيشه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو . فمن جهة، يحاول تعويض الإخفاق في إيران عبر تصعيد الجبهة اللبنانية، ومن جهة أخرى، يواجه ضغوطاً أميركية متزايدة تكبح هذا التصعيد، فيما تفرض إيران معادلة ربط الساحات، بما يقيّد هامش المناورة الإسرائيلي.
لكن ما يبدو كأزمة إدارة، يتجاوز في حقيقته حدود التكتيك. فكما يقرّ ميلشتاين، “إسرائيل في ورطة”: بعد شهور طويلة من الحرب، لم يتحقق أي من الأهداف الكبرى؛ لا “اجتثاث” ل حماس ، ولا تفكيك لحزب الله، ولا إنهاء للنفوذ الإيراني. فقط تآكل تدريجي في الردع، يقابله استنزاف داخلي متصاعد.
هنا تتقاطع هذه القراءة مع تحليل شلومو بن عامي، الذي يذهب أبعد من توصيف الأزمة، ليعيد تعريفها:
إسرائيل لم تُهزم عسكرياً، لكنها فشلت استراتيجياً.
يستعيد بن عامي مفارقة الحروب غير المتكافئة: يمكن للقوة المتفوقة أن تنتصر في المعركة، لكنها تخسر الحرب إذا عجزت عن تحويل هذا التفوق إلى نتيجة سياسية. وهذا بالضبط ما حدث في المواجهة مع إيران: إنجازات عسكرية واضحة، لكن دون تحقيق الأهداف الحاسمة؛ لا تدمير للبرنامج النووي، ولا إسقاط للنظام، ولا كسر لنفوذه الإقليمي. بل إن النتيجة كانت عودة إلى طاولة التفاوض، مع خصم أكثر صلابة.
إذا كان ميلشتاين يركّز على التناقض بين التصعيد والتفاوض، فإن بن عامي يكشف الجذر الأعمق:
المشكلة ليست في إدارة الحرب، بل في الفرضية التي تقوم عليها، وهي أن القوة قادرة على إعادة تشكيل الواقع السياسي.
الوقائع الميدانية تنقض هذه الفرضية بوضوح: في غزة ، رغم الدمار الهائل، لا تزال حماس فاعلاً مركزياً؛ في لبنان لم يُجتث حزب الله، ولا يزال يفرض معادلات ردع؛ وفي إيران لم ينهَر النظام، بل تعزّزت صلابته ودوره الإقليمي.
كما يقرّ ميلشتاين، لم تُفضِ أي من الحروب منذ 7 أكتوبر إلى “تحولات داخلية” لدى الخصوم. وهنا يقدّم بن عامي التفسير: في الحروب غير المتكافئة، لا يحتاج الطرف الأضعف إلى الانتصار، بل يكفيه أن يصمد.
“النصر بالبقاء” يصبح بديلاً عن “النصر بالحسم”.
ضمن هذا المنطق، تتحول القوة العسكرية إلى أداة محدودة الفعالية. إيران، كما يوضح بن عامي، لم تدخل مواجهة تقليدية، بل خاضت حرب استنزاف متعددة المستويات: تهديد الاقتصاد العالمي عبر الطاقة، توسيع المواجهة عبر الوكلاء، واستخدام أدوات منخفضة الكلفة لتقليص فجوة القوة. هذا النمط يفرغ فكرة “المعركة الحاسمة” من مضمونها، ويحوّل التفوق العسكري إلى عبء طويل الأمد.
في قلب هذا المشهد، يظهر نتنياهو كفاعل مأزوم. يرى ميلشتاين أنه محاصر بين ضغوط متناقضة، فيما يقدّمه بن عامي كمن يوظف الحرب سياسياً: لتعطيل المسارات الدبلوماسية، لتأجيل أزماته الداخلية، ولتهميش القضية الفلسطينية.
غير أن هذه المقاربة ارتدت عليه. فبدل تفكيك الصراع، أعادت ربط ساحاته: من غزة إلى لبنان إلى إيران، ضمن معادلة إقليمية أكثر تعقيداً. الحرب التي أرادها أداة للسيطرة تحوّلت إلى عامل كشف لمحدودية القوة.
تكشف هذه الحروب تحوّلاً نوعياً في طبيعة الصراع: لم يعد السؤال من الأقوى، بل من يستطيع تحمّل الاستنزاف الأطول. وفي هذا السياق، تبدو إسرائيل عالقة في معادلة خاسرة: إنجازات عسكرية سريعة تتآكل ببطء، مقابل خصوم يعيدون إنتاج قدرتهم على الصمود.
يتفق التحليلان على أن هذه الحروب لا تنتهي بحسم واضح، بل بتسويات تُفرض من الخارج، غالباً من واشنطن، ولا تتطابق مع الأهداف المعلنة في إسرائيل. من غزة إلى إيران، وربما لبنان لاحقاً، يتكرر السيناريو ذاته: نهاية سياسية بلا انتصار استراتيجي.
ما تكشفه قراءتا ميلشتاين وبن عامي ليس مجرد فشل في جولة أو جبهات متعددة، بل أزمة أعمق في العقيدة الإسرائيلية: لا يمكن فرض حلول سياسية بالقوة العسكرية، ولا وجود لـ“انتصار مطلق” أو “تبخر للعدو”، وكل إنجاز عسكري غير مترجم سياسيًا محكوم بالتآكل.
وفي هذا الإطار، لا تكمن المشكلة فقط في حدود القوة، بل في الإصرار على استخدامها كبديل عن السياسة. لهذا، فإن كل “نصر” جديد لن يكون سوى محطة إضافية في مسار الخسارة الطويلة، ما لم يحدث التحول الذي ترفضه الحكومة الإسرائيلية حتى الآن: الانتقال من وهم الحسم إلى منطق السياسة.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


