شبكة راية الإعلامية - 4/14/2026 4:27:20 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. ياسر أبو بكر
في ليلةٍ من ليالي رام الله، كنت جالسًا مع مجموعة من الإخوة-كوادر في حركة فتح، وأغلبهم من المفترض أن يكون ضمن أعضاء المؤتمر العام. وعلى طاولاتٍ أخرى في المكان نفسه، وفي مقاهٍ قريبة، كانت جلسات مشابهة تدور. رام الله تعجّ هذه الأيام بحراك فتحاوي لافت: لقاءات، اتصالات، ذهاب وإياب، حركة لا تهدأ.
المشكلة ليست في كثافة الحراك ،، بل في وجهته.
أغلب ما يُتداول يدور حول الدخول إلى المؤتمر، وحسابات الانتخابات داخله. من سينجح؟ من سيحجز موقعًا؟ من أين تأتي الأصوات؟ أسئلة مشروعة في حدّها الأدنى، لكنها تتحول إلى مشكلة حين تصبح هي كل القصة.
لو أن هذا الحراك كان دائمًا- شهريًا، أسبوعيًا، لا موسميًا - لكانت فتح اليوم في حالٍ آخر.
لكن ما نراه، للأسف، هو حراك يستيقظ قبيل الاستحقاق بعد سباتٍ طويل، ثم يتحول فجأة إلى حركة نشطة في كل اتجاه: مجموعات تتحرك، لقاءات تتكاثر، وسفرٌ هنا وهناك ،، قبل أن يعود كل شيء إلى هدوئه بعد انتهاء المناسبة.
بهذه الطريقة لا تُبنى الحركات.
المؤتمر الثامن ليس لحظة انتخابية فقط، بل يجب أن يكون لحظة مراجعة: رؤية، سياسات، وخطة خروج من هذا الاختناق السياسي والتنظيمي. لكن ما يطفو على السطح اليوم هو تنافس على المواقع أكثر منه تنافس على الأفكار. حراك واسع ،، بلا رؤية. تواصل مكثف ،، بلا مضمون سياسي. اجتماعات،، بلا مشروع.
يتحدث البعض عن ضرورة :ترشيد الترشح"، وهذا مهم. لكن الأهم -ولو قيل همسًا-أن تكون هناك مراجعة أعمق لطبيعة العلاقة مع الموقع نفسه. فالموقع في فتح ليس إقامة مفتوحة، بل مسؤولية تُقاس بأثرها. لا يمكن الحديث عن تجديد حقيقي دون أن يشمل ذلك إعادة النظر في معنى البقاء، وحدوده، وجدواه.
لا معنى لترشيد الترشح،، دون ترشيد البقاء.
القضية ليست في من يترشح فقط، بل في كيف نعيد ضبط العلاقة مع الموقع، ومع الفكرة، ومع معنى القيادة نفسها. المشكلة ليست فقط في من يريد أن يصعد، بل في من لا يريد أن ينزل. وهنا يبدأ الخلل الحقيقي.
الأخطر من ذلك، أن جزءًا كبيرًا من هذا الحراك لا يتجه نحو إنتاج رؤية للمستقبل، بل نحو تحسين فرص الفوز. يجلس الإخوة، يتواصلون، يتحركون،، لكن قليلًا ما نسمع نقاشًا جديًا حول الأسئلة التي يجب أن تكون في الصدارة:
•ما هي رؤيتنا؟
•كيف نخرج من هذه المرحلة؟
•كيف نستعيد ثقة الناس؟
من دون هذه الأسئلة، يتحول الحراك إلى ضجيج بلا اتجاه.
ومن هنا، يصبح السؤال الأهم:
•كيف نحوّل هذا الحراك الموسمي إلى فعل يومي؟
الإجابة ليست تنظيرية، بل عملية، وتبدأ من استعادة معنى الانتماء والانضباط:
* أن تصبح الاجتماعات الدورية للأطر قاعدة ثابتة، لا مرتبطة بالمؤتمرات.
* أن يُعاد ربط الحركة بالميدان: جامعات، مخيمات، نقابات، لا قاعات مغلقة فقط.
* أن يتحول النقاش من "من يفوز" إلى "ماذا سنفعل".
* أن تكون هناك مساءلة دورية حقيقية، لا موسمية.
* أن يُفتح المجال للشبيبة بالفعل، لا بالشعار.
•أن يُعاد تعريف الموقع كتكليف مؤقت، لا كحالة دائمة.
* أن تتحول الأطر إلى منتجة للمبادرات، لا مستهلكة للخطاب.
فتح لا تحتاج إلى موسم انتخابي نشط، بل إلى حياة تنظيمية يومية. لا تحتاج إلى كثرة حركة، بل إلى وضوح بوصلة. لا تحتاج إلى سباق مواقع، بل إلى سباق أفكار.
المؤتمر الثامن إما أن يكون لحظة كسر:
كسر للشخصانية، وكسر للاحتكار، وكسر للحراك الموسمي،،،
أو سيكون مجرد محطة أخرى في مسار أزمة ممتدة.
في السياسة، لا تُنقذ الحركات بكثرة المرشحين،
بل بوضوح الرؤية، وجرأة القرار، والانضباط في الفعل.
فتح اليوم لا ينقصها الحراك،،،
بل ينقصها الاتجاه.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


