نقطة ضوء: حين تختبئ الكرامة في شاحنة قمامة !
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: د. عدنان ملحم

لم يكن الخبر عابرًا، ولا يجوز له أن يمرّ كأي خبر. أربعون إنسانًا… أبٌ، أخٌ، زوجٌ، وابن… حُشروا داخل شاحنة قمامة، لا لشيء إلا لأنهم أرادوا أن يعملوا ويعيشوا. هناك، عند أحد المعابر قرب مدينة قلقيلية، لم يُعتقلوا لأنهم مجرمون، بل لأنهم فقراء.

المشهد كما هو، بلا تجميل: أجساد متلاصقة في صندوق حديدي صدئ، هواءٌ ثقيلٌ مشبعٌ بروائح العفن، وبقايا نفايات تلتصق بالملابس والجلد. أنفاسٌ متقطعة، وقلوبٌ تخفق بين الخوف والرجاء، ورجالٌ يطوون كرامتهم كما طووا أجسادهم… كي يعبروا. أيُّ زمنٍ هذا الذي يُجبر الإنسان أن يمرّ عبر القمامة ليصل إلى لقمة خبز؟ .

عامان من إغلاق المعابر إلى أراضي الداخل الفلسطيني، عامان من البطالة التي تأكل البيوت من الداخل، ومن الفقر الذي يسرق النوم من عيون الآباء، ومن الحاجة التي تكسر الظهر دون أن تُرى. لا طعام في بيوت كثيرة، ولا قدرة على شراء الدواء، ولا إمكانية لتلبية أبسط متطلبات الأطفال.

في المقابل، يقف صمتٌ رسميٌّ ثقيل. حركة وطنية وسياسية لم ترَ في معاناة العمال قضيةً تستحق الفعل، وتركتهم يواجهون الجوع وحدهم، كأنهم فائضٌ بشريٌّ لا ضرورة له. نقابات عمالٍ هياكلُ بلا روح، ممالكُ من ورق، مناصبُ وامتيازاتٌ وخطابات؛ يُداس العامل، ولا تجد لهم أثرًا، ولا تسمع لهم صوتًا. ورأس مالٍ فلسطينيٍّ لا تأكله النيران، لا يعنيه المشهد من قريبٍ أو بعيد.

هؤلاء ليسوا أرقامًا في خبرٍ عاجل، ولا مادةً للسخرية أو التنظير، بل هم الحياة التي تمشي بيننا، والعمود الفقري لهذا المجتمع. آلاف الشباب تعرّضوا للإهانة والذل والخوف، ليس لأنهم اختاروا ذلك، بل لأنهم دُفعوا إليه دفعًا.

المأساة ليست واحدة، بل مزدوجة: احتلالٌ يغلق الأبواب، ويخنق الاقتصاد، ويلاحق الإنسان حتى في بحثه عن رزقه، وواقعٌ داخليٌّ عاجز يرفع الشعارات ويترك الناس يسقطون. وبين هذا وذاك، يُترك العامل الفلسطيني أمام خيارين: إما بطالة تقتله ببطء، أو مخاطرة قد تقتله بسرعة.

السؤال لم يعد: لماذا فعلوا ذلك؟ بل: لماذا لم يجدوا خيارًا آخر؟ وجع هؤلاء ليس خبرًا يُقرأ، بل امتحانٌ لإنسانيتنا جميعًا. الشعور بالألم عليهم واجب، والوقوف معهم واجب، وأن نكون صوتهم واجب.

هذه ليست حاوية قمامة، بل مرآة لوطنٍ تُهان فيه الكرامة، وواقعٍ يُجبر الإنسان أن يختار بين الجوع والذل. وإن لم تتحول هذه اللحظة إلى صرخة وعي، ومراجعةٍ حقيقية، وفعلٍ يغيّر هذا المسار، فستبقى الكرامة الفلسطينية عالقةً بين حاجزٍ عسكري… وشاحنة نفايات.

نص: د. عدنان ملحم

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد