لماذا تخشى دول المنطقة انهيار إيران؟
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: نبهان خريشة

في لحظة تبدو فيها المنطقة وكأنها تقف على حافة إعادة تشكيل كبرى، لا يمكن قراءة التحركات السياسية الأخيرة بمعزل عن السياق الاستراتيجي الأوسع الذي يتجاوز حدود الحرب على إيران أو غزة، ليصل إلى سؤال أعمق: من يعيد رسم الشرق الأوسط، وبأي أدوات، ولصالح من؟ إن مشاركة دول مثل باكستان وتركيا ومصر والسعودية في اجتماعات تهدف إلى وقف الحرب على إيران ليست مجرد مبادرة دبلوماسية، بل تعبير عن إدراك متنامٍ بأن ما يجري ليس نزاعا محدودا، بل مشروع إعادة هندسة جيوسياسية للمنطقة بأكملها.

الحضور السعودي في هذه الاجتماعات يحمل دلالات تتجاوز البروتوكول السياسي. فالسعودية، التي لطالما وُضعت في معسكر مقابل لإيران، تبدو اليوم أكثر ميلا للعب دور الوسيط لا الطرف. هذا التحول لا يمكن فهمه إلا في ضوء قراءة استراتيجية عميقة مفادها أن سقوط إيران، أو حتى إضعافها بشكل جذري، لن يكون نهاية الصراع، بل بدايته. فالتاريخ القريب للمنطقة يثبت أن الفراغات الاستراتيجية لا تبقى فارغة، بل تُملأ سريعا بقوى أكثر اندفاعا نحو فرض وقائع جديدة بالقوة.

من هذا المنظور، تدرك الرياض أن استهداف إيران قد يكون الخطوة الأولى ضمن سلسلة خطوات تهدف إلى إعادة ترتيب المنطقة وفق رؤية إسرائيلية مدعومة غربيا، تقوم على تفكيك موازين القوى التقليدية وفرض هيمنة عسكرية مباشرة أو غير مباشرة. الحديث هنا لا يدور فقط حول الأمن أو النفوذ، بل حول شكل الدولة الوطنية نفسها، وحدودها، ووظيفتها في النظام الإقليمي القادم. وبالتالي، فإن تجنب الانخراط في الحرب، والسعي إلى إيقافها، ليس موقفا حياديا بقدر ما هو تموضع ذكي في لحظة مفصلية.

وفي السياق ذاته، يأتي الموقف المصري ليعزز هذه القراءة. فقرار بنيامين نتنياهو تعليق اتفاق الغاز مع مصر، والذي تبلغ قيمته 35 مليار دولار، ليس مجرد خلاف اقتصادي، بل رسالة سياسية مشفرة. التبرير الإسرائيلي المرتبط بعدم الرضا عن تحركات الجيش المصري في شمال سيناء، والتساؤل حول أسباب تسلحه، يكشف عن قلق إسرائيلي متزايد من أي محاولة عربية لاستعادة قدر من القدرات العسكرية أو الاستراتيجية. فإسرائيل، التي اعتادت على بيئة إقليمية مريحة نسبيا، ترى في أي تحرك عسكري عربي (حتى إن كان دفاعيا) مؤشرا مقلقا.

إن هذا التطور يضع مصر أمام معادلة معقدة: من جهة، هناك مصالح اقتصادية واتفاقيات قائمة، ومن جهة أخرى، هناك إدراك متزايد بأن الترتيبات الإقليمية قد تتغير بشكل يهدد الأمن القومي المصري على المدى البعيد. ومن هنا، فإن مشاركة القاهرة في اجتماعات باكستان لا يمكن فصلها عن هذا القلق، ولا عن رغبتها في أن تكون جزءا من أي معادلة توازن جديدة، لا مجرد متلقٍ لنتائجها.

أما باكستان وتركيا، فحضورهما يعكس بعدا إسلاميا أوسع يتجاوز الانقسامات التقليدية. فالدولتان، رغم اختلاف علاقاتهما مع إيران، تدركان أن انهيارها أو إخضاعها سيؤدي إلى اختلال كبير في ميزان القوى الإقليمي، قد يمتد تأثيره إلى آسيا الوسطى وجنوب آسيا. كما أن كلا البلدين لديه حساباته الخاصة مع الولايات المتحدة، ولا يرغب في رؤية نموذج جديد من التدخلات العسكرية يعاد إنتاجه في المنطقة.

من هنا، يمكن القول إن هذه الاجتماعات لا تستهدف فقط وقف حرب، بل تسعى (بشكل غير معلن) إلى حماية توازن إقليمي هش. فالمفارقة التي قد تبدو صادمة للبعض هي أن هناك مصلحة غير معلنة لبعض الدول العربية في صمود إيران، ليس حبا فيها، بل خوفا من البديل. فالدول لا تتحرك بالعواطف، بل بالحسابات، وهذه الحسابات تشير إلى أن انهيار أحد الأركان الكبرى في المنطقة سيؤدي إلى سلسلة من الانهيارات المتتالية.

وفي البعد الاستراتيجي الأوسع، يصبح عدم سقوط إيران مصلحة مشتركة لعدد من القوى الإقليمية والدولية. فبالنسبة لتركيا، يمثل ذلك ضمانة لعدم تفرد إسرائيل أو أي قوة أخرى بالمشهد الإقليمي. وبالنسبة لباكستان، فإن استقرار إيران يعني استقرار حدودها الغربية ومنع انتقال الفوضى إلى داخلها. أما الصين، التي تنظر إلى المنطقة كجزء من مشروع "الحزام والطريق"، فهي معنية باستقرار طرق الطاقة والتجارة، ولا ترى في الحروب الطويلة بيئة مناسبة لمصالحها الاقتصادية.

روسيا أيضا، التي تخوض صراعا مفتوحا مع الغرب، ترى في بقاء إيران قوة إقليمية فاعلة جزءا من استراتيجيتها لكسر الهيمنة الغربية ومنع تطويقها جيوسياسيا. فإيران، في هذا السياق، ليست مجرد دولة، بل عقدة في شبكة توازنات دولية تمتد من شرق أوروبا إلى شرق آسيا.

إن ما يجمع هذه القوى، على اختلافها، ليس تحالفا رسميا، بل تقاطع مصالح ظرفي يقوم على مبدأ منع الانهيار الشامل. وهذا ما يجعل المشهد أكثر تعقيدا: فنحن لسنا أمام محورين واضحين كما في الحرب الباردة، بل أمام شبكة متداخلة من المصالح، حيث يمكن لدول متنافسة أن تجد نفسها في خندق واحد مؤقتا.

في ضوء ذلك، يمكن إعادة قراءة الموقف السعودي والمصري ليس كخروج عن التحالفات التقليدية، بل كإعادة تعريف لها. فالعالم يتغير، ومعه تتغير أولويات الدول. وما كان يعتبر في السابق عدوا مطلقا قد يصبح اليوم شريكا في منع خطر أكبر. وهذه ليست سابقة في التاريخ، بل قاعدة من قواعد السياسة الدولية.

غير أن هذا التوازن الهش يبقى عرضة للانهيار في أي لحظة، خاصة إذا ما قررت القوى الكبرى المضي قدما في خياراتها العسكرية. فالحروب، بطبيعتها، لا تسير وفق حسابات دقيقة، وغالبا ما تفتح أبوابا لم تكن في الحسبان. ومن هنا، فإن الجهود الدبلوماسية الحالية، رغم محدوديتها، تمثل محاولة لشراء الوقت، وربما لإعادة صياغة قواعد اللعبة.

في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو من سينتصر في هذه الحرب، بل ماذا سيبقى من المنطقة بعدها. فالتاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تنتهي فقط بتغيير موازين القوى، بل بإعادة تعريف الجغرافيا السياسية نفسها. وإذا كانت بعض الدول قد بدأت تدرك أن صمود إيران هو جزء من مصلحتها، فإن التحدي الأكبر يكمن في ترجمة هذا الإدراك إلى سياسات قادرة على منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة.

إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يتحول إلى ساحة لإعادة رسم الخرائط بالقوة، أو أن تنجح قواه الإقليمية في فرض توازن يمنع الانفجار الكبير. وبين هذين الخيارين، تتحرك الدول بحذر، مدركة أن أي خطأ في الحساب قد يكون مكلفا للجميع.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد