أمريكا ومنطق الغطرسة والقوة: من فيتنام إلى إيران
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: د. إبراهيم عبيد

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في خريف عام 1945م، خرجت الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها القوة الأكثر تفوقًا في العالم، سواء على الصعيد الاقتصادي أو العسكري. هذا التفوق دفعها إلى تبنّي نهج على الساحة الدولية يقوم على منطق القوة والغطرسة السياسية والعسكرية، انطلاقًا من اعتقاد مفاده أن التفوق العسكري كفيل بحسم النزاعات وتحقيق الهيمنة، وفقاً لمنطق المدرسة الواقعية من ميكافللي إلى مورغنثاو.

تعكس التجارب الأمريكية في السياسة الدولية نماذج متعددة لهذا النهج. وتُعد حرب فيتنام (1955-1975م) من أبرز هذه النماذج؛ إذ دخلت الولايات المتحدة الحرب وهي على قناعة بأن تفوقها العسكري والتكنولوجي، لا سيما الجوي، سيؤدي إلى حسم سريع للمعركة. غير أن الواقع الميداني جاء مغايرًا تمامًا، حيث واجهت القوات الأمريكية نمطًا من القتال يعتمد على حرب العصابات، ضمن بيئة جيوسياسية معقدة لا يُتقنها إلا السكان المحليون. كما لعبت الدافعية الوطنية العالية دورًا حاسمًا في قلب موازين القوى، ما أدى إلى استنزاف الجيش الأمريكي على مدى سنوات طويلة. ورغم العمليات العسكرية المكثفة، بما في ذلك القصف الجوي والقتل الجماعي واسع النطاق الذي مارسته قوتها الغاشمة، إلا أنها لم تتمكن من تحقيق أهدافها، لتنتهي الحرب بمقتل 58,220 من القوات الأمريكية، وبالإضافة إلى أكثر من 150,000 جريح ومعاق، وفقًا لبيانات استخراج نزاع فيتنام، التابع لنظام تحليل الخسائر الدفاعية (DCAS)، وانتهت بانسحابها عام 1975م في مشهد عُدّ رمزًا لفشل الاعتماد على القوة العسكرية وحدها في حسم صراع سياسي معقّد.

تكرر هذا النموذج بصورة أوضح عقب أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001م، حين غزت الولايات المتحدة أفغانستان في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2001. وقد حقق الجيش الأمريكي في البداية نجاحًا سريعًا تمثل في إسقاط نظام طالبان. إلا أن هذا النجاح لم يدم طويلًا، وسرعان ما تحولت الحرب إلى صراع استنزافي امتد لعشرين عامًا، تكبّد خلاله الجيش الأمريكي خسائر بشرية كبيرة قُدّرت بنحو 6,379 من الجنود والمتعاقدين والمدنيين التابعين لوزارة الدفاع الأمريكية، فيما أُصيب 20,770 عسكريًا أمريكيًا. أما الخسائر المادية، فقد تجاوزت 2.456 تريليون دولار أمريكي، وفقًا لتقديرات "معهد واتسون في جامعة براون". وقد تمثلت الإشكالية الأساسية في عدم القدرة على بناء دولة مستقرة داخل بيئة اجتماعية وقبلية معقدة. وعلى الرغم من الإنفاق الضخم والتفوق التكنولوجي، انتهت الحرب بانسحاب أمريكي سريع، وعودة طالبان إلى الحكم بعد عقدين من الزمن، وهو ما يعكس بوضوح أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تضمن إعادة تشكيل الأنظمة السياسية أو تحقيق الاستقرار.

وفي السياق ذاته، تمثل حالة احتلال العراق في آذار/مارس 2003م نموذجًا إضافيًا لهذا المنطق. فقد استطاع الجيش الأمريكي احتلال العراق بسرعة كبيرة نتيجة التفوق العسكري والتكنولوجي الأمريكي، مما أدى إلى سقوط الدولة العراقية. ورغم هذا الحسم السريع، فإن مرحلة ما بعد الحرب كشفت عن خلل عميق في إدارة المشهد، خاصة بعد حلّ الجيش العراقي، الأمر الذي أسفر عن فراغ أمني واسع ساهم في انتشار الفوضى وظهور جماعات مسلحة. وتشير بيانات وحدة البحوث في الكونغرس الأمريكي إلى أن نفقات الحرب بلغت مع نهاية عام 2011م نحو 818 مليارًا و800 مليون دولار أمريكي، فيما قُدّرت الخسائر البشرية في صفوف الجيش الأمريكي وقوات التحالف منذ عام 2003م وحتى عام 2020م، وفقاً لموقع iCasualties: المختص بإحصائيات عدد الضحايا بنحو 4,902 قتيلًا، نتيجة استهداف القواعد العسكرية والأرتال اللوجستية. وتؤكد هذه المعطيات أن إسقاط الأنظمة بالقوة لا يعني بالضرورة القدرة على بناء بديل مستقر.

أما في الحالة الإيرانية، فتبدو الصورة مختلفة نسبيًا. فمنذ نجاح الثورة الخمينية عام 1979م، لم تعتمد الولايات المتحدة المواجهة العسكرية المباشرة، بل لجأت إلى أدوات الضغط الاقتصادي والسياسي. وقد كان لفرض العقوبات، خاصة على قطاع النفط، أثر واضح على الاقتصاد الإيراني، تمثل في ارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة، فضلًا عن عزل بعض البنوك عن النظام المالي العالمي، ما صعّب من حركة التعاملات الدولية. ومع ذلك، لم تؤد هذه الضغوط إلى تغيير جذري في بنية النظام السياسي، بل دفعت إيران إلى التكيف والبحث عن بدائل.

وفي عام 2015م، شهدت العلاقة تطورًا ملحوظًا مع التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني خلال إدارة الرئيس "باراك أوباما"، الذي عكس نهجًا مركبًا يجمع بين الضغط والتفاوض، حيث تم تقييد البرنامج النووي مقابل تخفيف العقوبات. غير أن هذا المسار لم يستمر، إذ عاد التوتر بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018م في ولاية الرئيس "دونالد ترامب" الأولى، ما أعاد الصراع إلى حالة من عدم الاستقرار.

بين 13–24 حزيران/يونيو 2025 و28 شباط/فبراير 2026، اتسمت العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران بطابع تصادمي عسكري متعدد المستويات، دون أن تتطور إلى حرب شاملة، حيث جرى الاكتفاء بإدارة الصراع عبر الردع وتبادل الضربات المحسوبة، بما يعكس تحولًا في طبيعة التوتر من مواجهات محدودة إلى مواجهات أوسع نطاقًا، صاحبها قدر كبير جداً من التهديد والوعيد والغطرسة الترامبية بسحق إيران ومحوها.

عند قراءة وتأمل هذه النماذج مجتمعة من فيتنام إلى أفغانستان مروراً بالعراق وصولًا إلى الصراع القائم مع إيران، لا يبدو المشهد مجرد تكرار لأحداث تاريخية منفصلة، بل أقرب إلى نمط ذهني واستراتيجي يتكرر بصيغ مختلفة. هذا النمط يقوم، في جوهره، على افتراض ضمني مفاده أن التفوق العسكري قادر بذاته على إعادة تشكيل الواقع السياسي، أو على الأقل فرض مخرجات تتوافق مع الأهداف المرسومة مسبقاً.

غير أن التجربة العملية تكشف شيئًا أكثر تعقيدًا. ففي فيتنام مثلًا، تحقق تفوق عسكري تقني هائل، لكنه لم يُترجم إلى إنجاز سياسي، لأن العامل المحلي، والإرادة الشعبية، والبيئة الاجتماعية كانت متجذرة وراسخة، وعصية عن الكسر بالقوة. وفي أفغانستان، بدا المشهد في بدايته وكأنه نجاح تكتيكي سريع وحاسم، لكن ما لبث أن تحول إلى استنزاف طويل دون تحقيق نصر استراتيجي، وانتهى بانسحاب أعاد طرح السؤال ذاته: هل يمكن للقوة وحدها أن تبني نظامًا سياسيًا مستقرًا؟ أما في العراق، فقد سقط النظام بسرعة، لكن مرحلة ما بعد السقوط كشفت فراغًا معقدًا، حيث لم يكن إسقاط الدولة مرادفًا لبناء بديل قادر على الاستمرار.

هنا تحديدًا تتجلى فكرة منطق الغطرسة والقوة، ليس بوصفها إدانة أخلاقية بقدر ما هي توصيف لحالة من المبالغة في الثقة بأداة واحدة– القوة العسكرية– وإسنادها دورًا يتجاوز حدودها الطبيعية. فالقوة قد تفتح الأبواب، لكنها لا تستطيع بمفردها إدارة ما خلفها. بل إن الإفراط في استخدامها، دون قراءة دقيقة لتعقيدات الواقع المحلي وتشابكات النظام الدولي، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، أو إلى إنجازات قصيرة المدى سرعان ما تتآكل.

وفي حالة إيران، يبدو أن هذا الإدراك قد فرض نوعًا مختلفًا من السلوك، قائمًا على الردع المتبادل وتبادل الرسائل المحسوبة، بدل الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وهذا بحد ذاته يعكس تحولًا في طبيعة الصراع: من حروب تقليدية مفتوحة إلى صراعات مركبة، تتداخل فيها الأدوات العسكرية مع السياسية والاقتصادية والإعلامية.

وعليه، فإن منطق الغطرسة والقوة حين يختزل النجاح في القدرة على الحسم العسكري المؤقت، ويُغفل أن العالم اليوم تحكمه معادلات أكثر تعقيدًا. فالنظام الدولي لم يعد ساحة أحادية القطبية تُدار بإرادة قوة واحدة، بل فضاءً متشابكًا، تتقاطع فيه المصالح، وتتعدد فيه الفواعل، وتصبح فيه القوة– مهما بلغت- عنصرًا من بين عناصر عديدة، لا يمكنها وحدها أن تصنع نصراً استراتيجياً.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد