سـلاح «حـمـاس».. مـرة أخـرى
وكالة سوا الاخبارية -
2026/04/26

كعادة الفلسطينيين حين يكونون طرفاً في حوار، سواء فلسطيني داخلي نجح في الفشل بجدارة، أو مفاوضات مع أطراف أخرى، يتميزون بمسألتين، الأولى أن لا نتائج سريعة، فقد اعتادوا على الكلام وكأن لديهم ما يكفي من ترف الوقت يتحدثون ويتفاوضون بشكل مزمن بينما البلاد والعباد في حالة نزيف دائم، والثانية أننا لا نسمع منهم أي شيء سوى أن يتركوا المواطن الفلسطيني الذي يتفاوضون حول واقعه ومستقبله ورغيف خبزه يتلقى أخباره من الإعلام الإسرائيلي. وإذا ما كرر المواطن ما يسمع أو استعمله صحافي، تهاجمه الفصائل بحجة أنه يعتمد أو يردد إعلام العدو، أما إذا كان يخص الخصم السياسي، فقد تستخدمه الفصائل كحجة دامغة، وهكذا، لتعبّر كاريكاتورية الحالة عن نفسها بشكل أو بآخر.
الإعلام الإسرائيلي مجند كله لحرب إيران التي أصبح الملف الفلسطيني معها هامشياً، إلا من تحرُّك ل نيكولاي ملادينوف الذي يحاول أن ينجح كمندوب سامٍ ككل الذين لا يحبون الفشل، أو القاهرة كعاصمة تجد في الانشغال بالملف الفلسطيني - الذي ألقى التاريخ بثقله عليها - أولى لها من أي صراعات أخرى تندلع، لأن نتنياهو قرر أن يعيد تشكيل الشرق الأوسط دون أن يدرك بعد أن خارطة الشرق أكثر اتساعاً من مساحة القدرة الإسرائيلية حتى لو استدعت معها كل الأساطيل. فإسرائيل بالمقاييس الإمبراطورية هي دولة ميكروسكوبية، لكنها تحلم بدور إمبراطوري ما، يتعارض مع حقيقة الأشياء أو كما كان يكتب هيكل مع طبائع الأشياء.
تصف صحيفة «يديعوت أحرونوت» مخطط إسرائيل لإسقاط النظام في طهران بـ»الفانتازيا الفاشلة». فحين لا تدرك الدول الفرق بين أحلامها وبين إمكانياتها ومكانتها يحدث هذا الاختلال، والأحلام تشكل خطراً يفوق مساحة جغرافيا المكان، وهذا ما حدث، وبكل الظروف باتت أطراف الحرب الرئيسة تبحث عن مخرج تحاول باكستان أن تشقه بين الصخور الصلبة للمنطقة.
فالسلاح لم يحسم حرباً تم التحضير لها على عجل، ومضيق هرمز بات يخنق العالم، والعقلاء في المنطقة والعواصم الكبرى في أوروبا لا حول لهم ولا قوة. أما الرجل الذي يقود هذه النار، فتتزايد الشكوك يومياً حول صحته العقلية، تحركه شخصية ماكرة وتلك معضلة.
وبمعزل عما تنشغل به طهران وإسلام أباد في محاولة لاستيلاد حل من شبه توازن لم يهيئه بعد، بقيت غزة كقصة البدايات لكل ما يحدث أو النهايات الأخرى، تكاد تكون منفصلة سواء لجهة انعدام القوة أو لجهة اعتبار الإسرائيلي لتلك المنطقة جزءاً من الغلاف الأمني الداخلي لدولته، وتلك مأساة منطقة قرر بعد السابع من أكتوبر أن يبقى فيها، وهذه الرغبة على درجة من الخطورة التي تستدعي ذكاء في صناعة السياسة لدى الفلسطينيين الذين اعتادوا استهلاك السياسة لا صناعتها. وهناك فرق، فالإسرائيلي يتحدث عن رغبة بالبقاء في الجزء الأكبر الذي يحتله في غزة، فماذا يتطلب ذلك؟
أول شيء أن ترفض « حماس » تسليم السلاح، فلن يجد مبرراً أقوى من هذا، وهكذا يستمر بالبقاء وهو يتابع المفاوضات في القاهرة، وإذا ما شارفت «حماس» على إبداء مرونة، يقدم لها بروفة التخويف بأن يقوم في يوم واحد بإطلاق مليشيات عملائه من ثلاث جهات لاغتيال رجالات «حماس»، وهكذا تتراجع عن المرونة. وتلك مدرسة اعتاد عليها، وقد حفظنا نحن الكتاب سياساته عن ظهر قلب، كيف كان خلال سنوات الصراع الداخلي يصنع سياسات تهدف لاستدراج الفلسطينيين لمربعات معينة، فيذهبون إليها رافعين كل الشعارات والفخر، والنتيجة إدامة الانقسام وفشل المصالحات.
لسنوات طويلة غزة لن تقاتل بالسلاح، هذا لم يعد يحتاج إلى نقاش بين المدرستين السياسيتين. فما سقط من تصريحات من قبل بعض قادة «حماس» بأن غزة فعلت ما عليها، يوحي بنهاية مشوار السلاح أو على الأقل إجازة لسنوات طويلة. فهل من المنطق أن يظل عقبة يقابلها بقاء جيش إسرائيل في 60 في المئة من مساحة غزة، وتظل مجرد أكوام من الركام بلا إعمار؛ بسبب السلاح الذي جرب حظه بشكل مكثف في أمّ المعارك ووصل لأمّ الهزائم التي صنعها الإسرائيلي، حين قرر ارتكاب إبادة، وكي وعي الفلسطيني في غزة؟
يكمن مأزق السلاح، الذي لن تحتاجه غزة، بمسألتين، الأولى كأنه انكسار للكفاح الوطني «طبعاً هذا خطأ حماس بالذهاب للحد الأقصى». والمسألة الثانية يشكل حماية شخصية لعناصر «حماس» في مجتمع متصارع، فقد حكمت غزة بعد قتال مسلح مع «فتح»، وليس فقط بالصندوق، ولم تتواضع أجهزة أمنها الداخلي في إهانة الخصوم. ومع مليشيات العملاء يصبح الموت بالشهادة أكثر جدوى من الموت قتلاً على يد العملاء أو الخصوم بعد تجريد السلاح. هنا يتطلب الأمر حلاً أكثر ذكاء في معالجة الأزمة، فالتمترس خلف ما تبقى من سلاح لن يصلح لمقاومة إسرائيل، سيكون أم الكوارث لإفساح المجال لرحيل السكان من المكان، فالالتفاف على الانكسار الوطني سيتم في الإطار الوطني نفسه بخطوة للأمام تتجاوز إسرائيل وملادينوف. أما المسألة الأخرى، فهي لا تقل أهمية، وتحتاج لضمان حياة وأمان منتسبي «حماس»، فلا يجب الاستهانة بها أمام بروز العملاء، وهذا ممكن ومختلف عن لبنان. فسلاح «حزب الله» هو بطاقة تأمين الطائفة في مجتمع طائفي كان يتسيّد على الشيعة قبل بروز «حزب الله» الذي رفع مكانتهم وهناك من يتربص بالطائفة، لكن مجتمع غزة الخالي من الطوائف أسهل كثيراً، والمهم أن يفكر الفلسطينيون بكيفية صناعة السياسة في أصعب الظروف.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد