وكالة سوا الاخبارية - 4/27/2026 8:08:39 AM - GMT (+2 )
ما جرى في انتخابات دير البلح لا يمكن اختزاله في نسبة مشاركة متدنية أو مشهد تنافسي محدود، بل هو مرآة تعكس تحولات أعمق في المزاج العام، وفي طبيعة العلاقة بين المجتمع والسياسة. بين الصواب والخطأ، تقف هذه التجربة كحالة تستحق القراءة النقدية، ليس فقط لفهم ما حدث، بل لاستشراف ما قد يتكرر.
في جانب الصواب، يمكن القول إن إجراء الانتخابات بحد ذاته يمثل قيمة إيجابية في سياق معقد. مجرد الحفاظ على آلية انتخابية—even بحدها الأدنى—يعكس رغبة في إبقاء قنوات التعبير مفتوحة، وعدم الانزلاق نحو الفراغ الكامل. كما أن بروز المرشحين المستقلين، رغم محدوديته، يشير إلى وجود محاولات لكسر احتكار الفاعلين التقليديين، و فتح المجال أمام أشكال جديدة من التمثيل المحلي. كذلك، فإن صعود البُنى العائلية والعشائرية، رغم ما يحمله من إشكاليات، يمكن قراءته من زاوية أخرى بوصفه تعبيرًا عن حيوية المجتمع وقدرته على إعادة تنظيم نفسه حين تغيب الأطر السياسية.
لكن في مقابل هذه الجوانب، تبرز مجموعة من الأخطاء البنيوية التي لا يمكن تجاهلها. أولها يتمثل في نسبة المشاركة المتدنية، والتي تعكس حالة عزوف واضحة. هذه النسبة ليست مجرد ضعف في الإقبال، بل مؤشر على تآكل الثقة بالعملية الانتخابية ذاتها. الناخب الذي لا يذهب إلى صندوق الاقتراع، غالبًا ما يكون قد حسم موقفه مسبقًا بأن صوته لن يُحدث فرقًا.
البُعد الاقتصادي والتجاري في مدينة دير البلح:
ويُضاف إلى ذلك عامل مهم غالبًا ما يتم تجاهله، وهو البُعد الاقتصادي والتجاري في حياة سكان دير البلح. فشريحة واسعة من السكان تنخرط في أنشطة تجارية يومية مرتبطة بالأسواق المحلية أو بحركة البيع والشراء التي لا تحتمل التوقف، خاصة في ظل ظروف اقتصادية هشة. بالنسبة لهؤلاء، يوم الانتخابات لم يكن أولوية، بل يوم عمل لا يمكن التفريط به. الانشغال بتأمين الدخل، والحفاظ على استمرارية النشاط التجاري، كان دافعًا مباشرًا للعزوف، حيث طغت المصلحة الاقتصادية الآنية على المشاركة السياسية.
الخطأ الثاني يكمن في غياب الفصائل السياسية عن المشهد الانتخابي. هذا الغياب لم يخلق فقط فراغًا تنظيميًا، بل أضعف التنافس، وجرّد الانتخابات من بعدها السياسي. حين تختفي البرامج والرؤى، يتحول التنافس إلى مستوى أدنى، تُحركه الاعتبارات الشخصية والعائلية، بدل أن يقوده النقاش العام حول السياسات والخدمات.
أما الخطأ الثالث، فهو هيمنة المنطق العائلي على السلوك الانتخابي. في ظل غياب البدائل السياسية المقنعة، أصبح الانتماء العائلي هو المحدد الرئيسي للتصويت. هذا التحول يُفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها، ويحوّلها إلى إعادة إنتاج للتوازنات الاجتماعية، بدل أن تكون أداة للتغيير أو المساءلة.
التخوفات الأمنية:
إلى جانب ذلك، لعبت التخوفات الأمنية دورًا مركزيًا في تشكيل سلوك الناخبين. فالسياق العام المشحون بالقلق وعدم الاستقرار جعل من الذهاب إلى مراكز الاقتراع قرارًا محفوفًا بالمخاطر في نظر كثيرين. الخشية من حدوث تصعيد مفاجئ أو استهداف أماكن التجمع دفعت قطاعات من المواطنين إلى تجنب المشاركة، خاصة مع انتشار تصورات عن احتمال تعرض عناصر الشرطة أو القائمين على العملية الانتخابية للاستهداف. كما ساهمت الشائعات والتخوفات من إمكانية تخريب مراكز الاقتراع أو سرقة صناديق التصويت في تعزيز حالة الحذر. هذه العوامل، حتى وإن كانت في جانب منها نفسية أو احترازية، كان لها تأثير مباشر في تقليص الإقبال، إذ فضّل كثيرون السلامة الشخصية على الانخراط في عملية لا تبدو مضمونة من حيث الأمان.
إلى جانب ذلك، يظهر ضعف واضح في الخطاب الانتخابي والإعلامي. لم تنجح الحملات في تقديم رسائل تحفّز الجمهور أو تلامس قضاياه بشكل عميق. الخطاب بقي محصورًا في نطاق ضيق، يفتقر إلى الرؤية، ويعجز عن إقناع الناخب بأن المشاركة تحمل قيمة حقيقية. كما أن الإعلام لم يلعب دوره في رفع الوعي أو تحفيز النقاش العام، بل بدا أقرب إلى حالة الركود السائدة.
ولا يمكن إغفال العامل الأعمق، وهو الإرهاق المجتمعي. مجتمع مثقل بالأزمات اليومية—اقتصادية وأمنية—يميل بطبيعته إلى الانكفاء، ويضع أولوياته في البقاء والاستقرار، لا في الانخراط السياسي. هذا الإرهاق يفسر جزئيًا العزوف، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن فجوة عميقة بين احتياجات الناس والخطاب الانتخابي المطروح.
في المحصلة، فإن انتخابات دير البلح تقف بين صواب الحفاظ على الشكل الديمقراطي، وخطأ فقدان جوهره. هي تجربة تؤكد أن الانتخابات ليست مجرد صناديق اقتراع، بل منظومة متكاملة تتأثر بالاقتصاد، والأمن، والثقة، والبنية الاجتماعية. وعندما تختل هذه العناصر مجتمعة، تصبح المشاركة ضعيفة، ويعلو صوت العائلة على صوت السياسة، وتبقى العملية قائمة شكلاً، لكنها مهددة بفقدان معناها تدريجيًا.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


