وكالة سوا الاخبارية - 5/5/2026 9:07:42 PM - GMT (+2 )
في الأزمنة العادية، كانت تُعقد المؤتمرات الحركية لتُغلق ملفات، أو تُرتّب بيوتاً داخلية، أو تُعيد توزيع الأدوار بين أبناء التنظيم الواحد. أما في الأزمنة المكسورة، حين يتشظى المعنى العام وتبهت ملامح الدولة، فإن المؤتمر يتحول إلى ما يشبه الوطن المؤقت، مساحة رمزية يُسقِط عليها الناس آمالهم المعلّقة، ويحمّلونها ما لا تحتمله الهياكل التنظيمية من أثقال التاريخ والحاضر.
هكذا يمكن قراءة حالة التهافت اللافتة على عضوية المؤتمر الثامن لحركة فتح، وما يرافقها من موجات مباركة على صفحات التواصل الاجتماعي، تقابلها ظلال امتعاض ومرارة لدى من لم تُتح لهم الفرصة. الأمر لا يتوقف عند حدود “مقعد” في مؤتمر، بل يتجاوز ذلك إلى شعور عميق بأن الحضور هناك هو شكل من أشكال الاعتراف، وإثبات الوجود، وربما ضمان مكان في سردية المرحلة القادمة. في ظل تراجع الأطر المؤسسية، يصبح التنظيم حاملاً بديلاً للشرعية، وتغدو عضويته نافذة نحو التأثير، أو على الأقل نحو الشعور بعدم التهميش.
من زاوية نفسية اجتماعية، تبدو هذه الظاهرة تعبيراً عن حاجة جماعية لإعادة التوازن بعد صدمات كبرى، على رأسها ما مرّ به الشعب الفلسطيني خلال العامين والنصف الماضيين من دمار وإبادة، خاصة في غزة . رغم أن غزة لا تمثل أكثر من 18% من القوة الانتخابية داخل المؤتمر، إلا أن أثرها الرمزي والوجداني يتجاوز كل الحسابات العددية. إنها جرح مفتوح في الوعي الجمعي، يجعل كل فعل سياسي محاطاً بسؤال أخلاقي: ماذا بعد؟ وكيف يمكن النجاة من هذا التيه؟
الكادر الفتحاوي، بين طموحاته الشخصية ووعيه الوطني، يقف أمام مرآة مزدوجة؛ يرى فيها ذاته كفرد يسعى إلى موقع ودور، ويرى فيها شعباً ينتظر من حركته أن تستعيد زمام المبادرة. هذا التوتر بين الخاص والعام يفسّر جانباً من الحراك الكبير حول المؤتمر. فالمباركات ليست فقط تهاني، بل أيضاً إعلان اصطفاف، وبناء تحالفات، وتثبيت مواقع في خريطة غير واضحة المعالم. أما الامتعاض، فهو الوجه الآخر لشعور بالإقصاء، أو بالخوف من الغياب عن لحظة قد تكون مفصلية.
السؤال الأهم يبقى: ماذا نريد من نتائج المؤتمر الثامن؟
نريد أكثر من مجرد لجنة مركزية جديدة، أو مجلس ثوري بتركيبة مختلفة. نريد خيط إنقاذ وطني في بحر متلاطم من الأزمات. نريد رؤية تعيد تعريف المشروع الوطني في ضوء التحولات الإقليمية والدولية، وتُعيد الثقة بين الشارع وقياداته. الناس، ببساطة، تبحث عن خلاص، عن أمل يمكن الإمساك به، عن شعور بالأمان بعد سنوات من القلق والانكسار.
ولعلّ ما يميز هذا المؤتمر عن سابقاته، هو اتساع دائرة الاهتمام به خارج الإطار التنظيمي الضيق. لأول مرة، يبدو أن الشارع الفلسطيني ينظر إلى مؤتمر فتح بوصفه حدثاً يتجاوز الحركة نفسها، ليقترب من كونه محطة لإعادة إنتاج الشرعية في ظل غياب فاعل للمؤسسات الحكومية والقانونية. في هذا السياق، يصبح المؤتمر نافذة محتملة لفتح آفاق إقليمية ودولية، وإعادة تقديم الحالة الفلسطينية بلغة جديدة، قادرة على مخاطبة العالم واستعادة التعاطف والدعم.
أما عن التوقيت، والتوازي غير المُعلن مع انتهاء الانتخابات الداخلية في حركة حماس ، فإنه يفتح باب التساؤل حول ما إذا كنا أمام لحظة إعادة ترتيب شاملة للمشهد الفلسطيني. قد لا يكون هناك توافق مباشر، لكن ثمة إدراكاً عاماً بأن المرحلة تفرض على الجميع مراجعات عميقة، وأن بقاء الانقسام بصيغته الحالية لم يعد قابلاً للاستمرار دون أثمان باهظة.
في النهاية، يبقى الرهان على أن ترتقي نتائج المؤتمر إلى مستوى هذا التراكم من التوقعات. فحين يعلّق الناس مستقبلهم على حدث تنظيمي، فإنهم في الحقيقة يطلبون ما هو أكبر: يطلبون وطناً أقل هشاشة، وقيادة أكثر وضوحاً، وطريقاً يخرجهم من التيه. والسؤال الذي سيبقى معلقاً حتى ما بعد انعقاد المؤتمر: هل تستطيع فتح أن تكون، مرة أخرى، خيط النجاة الذي ينتظره الجميع؟
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


