حماس بين إعادة الترتيب المؤسسي وصراع القيادة: من يخلف السنوار؟
وكالة سوا الاخبارية -
2026/05/06

في ظل التداول المتزايد بشأن استكمال انتخابات المكتب السياسي لحركة حماس ، واختيار رئيس جديد للمكتب السياسي العام، تتكثف المؤشرات على أن الحركة تمر بمرحلة إعادة ترتيب داخلية معقّدة، فرضتها تداعيات الحرب وسلسلة الاغتيالات التي طالت قياداتها المركزية. 
وتفيد معطيات من الحركة أن موازين القوى داخل الأطر الانتخابية تميل لصالح خالد مشعل، مقابل خليل الحية، الذي يخوض المنافسة باعتباره أحد أبرز قادة الحركة في قطاع غزة في المرحلة الراهنة. هذه المفاضلة لا تعكس فقط اختلافاً في الشخصيات، بل تعكس أيضاً تبايناً في مراكز الثقل داخل الحركة بين “الخارج” و“الداخل”، في لحظة حساسة تتداخل فيها الاعتبارات التنظيمية مع الاستحقاقات السياسية.
وفي قطاع غزة، أنهت الحركة بالفعل انتخاباتها الداخلية لاختيار أعضاء مكتبها السياسي، بعد أزمة داخلية  في القطاع، وما رافق ذلك من حالة تململ وغضب داخل أوساط قيادية. هذه الأزمة أدت إلى تعطيل العملية الانتخابية لنحو شهرين، قبل أن تُستأنف عقب تسوية الخلافات مع الأطر المناطقية، في مؤشر واضح على حجم التوترات التي باتت تطفو على السطح. وبحسب ما توفر من معلومات، جرى اعتماد آلية انتخابية تقوم على اختيار ثلاثة أعضاء عن كل محافظة من محافظات قطاع غزة الخمس، ما أسفر عن صعود مجموعة من الأسماء، من شحصيات قيادية في الحركة. هذه الآلية تعكس محاولة لإعادة توزيع التوازنات داخل القطاع، لكنها في الوقت ذاته تشير إلى صعود جيل تنظيمي جديد، في ظل تراجع أو غياب قيادات تاريخية.

وتعكس هذه العملية، إلى حد كبير، تأثير الضربات الإسرائيلية التي استهدفت البنية القيادية للحركة، حيث أضعفت الاغتيالات الأخيرة تماسك القيادة التقليدية، ورفعت منسوب التباينات الداخلية إلى مستويات غير مسبوقة. فبينما كانت الخلافات سابقاً تُدار ضمن أطر تنظيمية منضبطة، باتت اليوم أكثر وضوحاً وحدة، كما ظهر في التجاذبات التي رافقت انتخاب قيادة غزة. كما يبرز غياب أو تراجع دور عدد من القيادات التاريخية، سواء بفعل الاستهداف أو التقدم في السن والحالة الصحية، وهو ما يسرّع عملية إعادة إنتاج النخبة القيادية داخل الحركة، ولكن في ظل بيئة أكثر هشاشة وتعقيداً، تفتقر إلى الخبرة التراكمية التي كانت تضبط إيقاع الخلافات.

وفي السياق الأوسع، تستعد حماس خلال الفترة المقبلة لاختيار رئيس جديد لمكتبها السياسي، خلفاً ليحيى السنوار الذي استشهد خلال الحرب، وكان قد تولى المنصب بعد إسماعيل هنية . وتشير المعطيات إلى أن عملية الاختيار الحالية لا تندرج ضمن انتخابات شاملة تشارك فيها القواعد التنظيمية في مختلف الأقاليم، بل تأتي في إطار إعادة ترتيب مؤسسي مؤقت، يهدف إلى ملء الشواغر القيادية التي خلّفتها الحرب. وبحسب هذا التوجه، يُرجّح أن يتم اختيار قائد من بين خيارين رئيسيين: خالد مشعل أو خليل الحية، على أن تكون هذه القيادة انتقالية لعدة أشهر، إلى حين توفر الظروف لإجراء انتخابات عامة شاملة تشمل مختلف أطر الحركة في الداخل والخارج. 
تاريخياً، حافظت حماس على نمط دوري في انتخاب قيادتها كل أربع سنوات، ما منحها قدراً من الاستقرار التنظيمي، رغم التحولات السياسية والأمنية، ولا يزال في صفوفها اليوم اثنان من رؤساء المكتب السياسي السابقين على قيد الحياة، إلى جانب إرث قيادي ثقيل تمثله شخصيات اغتيلت خلال مسيرة الحركة.

لكن التحدي الحقيقي الذي يواجه حماس اليوم لا يقتصر على اختيار قائد جديد، بل يتمثل في قدرتها على إعادة بناء تماسكها الداخلي، وإدارة انتقال قيادي في ظل حرب مفتوحة، وضغوط ميدانية وسياسية غير مسبوقة. غير أن هذه الضغوط لا تتوقف عند حدود الداخل التنظيمي، بل تمتد إلى طبيعة الشروط السياسية والأمنية التي تُطرح على الحركة في سياق “اليوم التالي” في غزة؛ فهناك اتجاه واضح تدعمه مواقف دولية وإقليمية نحو ربط أي ترتيبات مستقبلية بإنهاء حكم حماس للقطاع، ونزع سلاحها، وتجريدها من بنيتها العسكرية. 

وهنا تبرز مفارقة أساسية: رغم حجم الضربات التي تلقتها الحركة، لا تزال حماس، حتى هذه اللحظة، تمسك بإدارة قطاع غزة، وهو ما يعني أن أي حديث عن “اليوم التالي” يبقى مشروطاً بالتوصل إلى تفاهمات مع الحركة نفسها، أو فرض وقائع ميدانية تغيّر هذا الواقع.
في المقابل، يواصل الإعلام الإسرائيلي الترويج لروايات حول سعي حماس إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية، وهو ما يُستخدم لتبرير استمرار العمليات العسكرية والضغوط السياسية. لكن هذه الروايات، التي غالباً ما تستند إلى تسريبات أو تقديرات غير مكتملة، تعكس في جانب منها إدراكاً إسرائيلياً بأن الحركة، رغم الاستنزاف، لم تُحسم بعد، وأن قدرتها على التكيّف لم تُكسر بالكامل. وفي هذا السياق، يمكن القول إن إسرائيل نجحت في تحقيق جزء مهم من أهدافها، خاصة على مستوى استهداف القيادات المركزية وإضعاف البنية القيادية التقليدية للحركة، إلا أن ذلك لم يُترجم حتى الآن إلى حسم سياسي أو تنظيمي كامل، ما يترك الباب مفتوحاً أمام سيناريوهات متعددة.

أمام هذه المعطيات، تجد حماس نفسها أمام خيارات معقّدة: إما الانخراط في ترتيبات تفرض عليها التخلي عن عناصر قوتها الأساسية، أو محاولة إعادة إنتاج نفسها في ظل بيئة معادية وضغوط غير مسبوقة، أو البحث عن صيغة وسط تعيد تعريف دورها داخل النظام السياسي الفلسطيني والإقليمي. وإلى جانب هذه الضغوط السياسية والعسكرية، تواجه حماس تحدياً لا يقل خطورة يتمثل في الواقع الإنساني الكارثي في قطاع غزة؛ فالحصار المستمر، وحجم الدمار، والانهيار شبه الكامل في مقومات الحياة، كلها عوامل تضغط باتجاه خيارات أقل صدامية، ولو مؤقتاً. كما أن التهديد الإسرائيلي المتكرر بالعودة إلى الحرب، واستخدام ذلك كورقة ضغط لفرض نزع السلاح، يضع الحركة أمام معادلة شديدة الحساسية بين الحفاظ على “منطق القوة” من جهة، وتجنّب جولة أكثر عنفاً من القتل والتدمير من جهة أخرى.

كما يتصاعد داخل المجتمع الفلسطيني في القطاع مستوى القلق والخوف من استئناف الحرب، وتبرز أصوات تطالب الحركة بالتعاطي مع الحلول المطروحة، وتجنّب الانزلاق إلى مواجهة جديدة قد تكون أكثر كلفة. هذا المزاج الشعبي، حتى وإن لم يتحول إلى موقف سياسي منظم، يشكّل عامل ضغط إضافي على القيادة القادمة، ويحدّ من هامش المناورة لديها. 

كما أن علاقتها بالنظام السياسي الفلسطيني، وخاصة منظمة التحرير، ستصبح جزءاً من هذا الاختبار، في ظل دعوات متزايدة لإعادة توحيد النظام السياسي، ولكن بشروط لا تبدو حتى الآن متوازنة. وإقليمياً، لا يقل التحدي صعوبة، إذ إن إعادة تموضع الحركة ضمن شبكة علاقاتها باتت مرتبطة بشكل وثيق بمآلات الحرب، وبمدى استعداد الأطراف الإقليمية للتعامل مع حماس بصيغتها الحالية أو الدفع نحو تغييرها. 
وفي ضوء كل ذلك، لم تعد مسألة اختيار رئيس المكتب السياسي مجرد استحقاق تنظيمي، بل عنواناً لمرحلة انتقالية أوسع، يُعاد فيها تعريف الحركة تحت ضغط الداخل والخارج معًا. السؤال لم يعد فقط: من سيفوز مشعل أم الحية؟ بل: أي حماس ستخرج من هذه المرحلة؟ وهل ستبقى الحركة قادرة على الحفاظ على قرارها المستقل، أم أن مسار إعادة تشكيلها قد بدأ فعلياً، من خارجها بقدر ما يجري من داخلها؟

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد