من الصهيونية الاستعمارية إلى الحقيقة المؤلمة
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: إدواردو موشيس

وصلتُ في سن التاسعة عشرة إلى ما كان يمثل لي، في ذلك الوقت، “الأرض الموعودة”. قبل الرحلة، عشتُ عملية تعلم ضمن بنية أحد القطاعات السياسية في الحركة الصهيونية؛ قدرٌ من التاريخ والثقافة اليهودية الظاهرية على مدار عامين، بما في ذلك نوع من التأهيل المهني الريفي في منشآت زراعية تقع في مقاطعة “سانتا في”. كان ذلك تدريباً سابقاً للسفر إلى إسرائيل، والانخراط في حياة العمل الزراعي الجماعي داخل “كيبوتس”.

في تلك النقاشات، لم تغب مثالية المشروع الاستعماري، ولا فكرة تحقيق “المعجزة الكبرى” بتحويل الصحراء إلى أرض خصبة. كانت رواية لا وجود فيها إطلاقاً للمجتمع الفلسطيني؛ غابت عنها القرى الكثيرة، والمزارع، وبساتين البرتقال، والمدن، والعائلات، والمدارس، والمساجد، والعمال في الصناعات أو في البيروقراطية الحكومية. كانوا سبعمئة ألف إنسان، لكنهم جميعاً كانوا غير موجودين في تلك الرواية. كانت حكاية “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. في ذلك الوقت صدّقتُ الرواية الرسمية اليهودية.

كان العمل اليومي يسير بوتيرة ثابتة: الاستيقاظ عند السابعة صباحاً، وبدء العمل لمدة ساعتين، ثم استراحة أولى لتناول الإفطار في قاعة الطعام الجماعية (خضروات طازجة، فواكه، زبادي، وبيض حسب الرغبة). ثم العودة إلى العمل حتى الواحدة ظهراً، والرجوع للقاعة لتناول الطعام المطبوخ. عند الخامسة مساءً ينتهي وقت العمل، يتبعه حمّام جيد ومنعش. وهكذا يوماً بعد يوم، مع نصف يوم الجمعة والسبت كراحة. كنا نحصد البطيخ والشمام، ونجمع الليمون بأشواكه، والبطاطا في أكياس كبيرة. وفي عطلات نهاية الأسبوع، كانت تُعرض أفلام أو نخرج إلى مدينة “الخضيرة” لحضور المسرح أو التسوق.

أثناء ركوب الحافلة باتجاه تلك المدينة، كان الطريق يمر عبر قرية عربية، حيث كان من الممكن رؤية شوارع غير معبدة، وطرق موحلة في موسم الأمطار، وافتقار للكهرباء مع تراكم للنفايات. في سن التاسعة عشرة، طرحتُ على نفسي السؤال: كيف يعقل أن توجد هذه الحالة على مسافة قصيرة جداً من الكيبوتس الذي أعيش فيه بكل ما فيه من رفاهية؟

ذهبتُ للبحث عن الإجابة خارج مجتمعي، في مدينة أخرى هي “نتانيا”، حيث وجدتُ مقراً للحزب الشيوعي. هناك بدأ، بطريقة ما، مسار الاعتراف بوجود المجتمع العربي في إسرائيل. بدأتُ بالسفر مرة أسبوعياً لحضور اجتماعات التثقيف السياسي، حيث كنتُ أُبلّغ بالسياسات التمييزية، قانوناً وممارسة، تجاه السكان العرب. وأقول “عرب” لأنه لم يكن هناك بعد وعي حقيقي بوجود “الفلسطيني”.

كان الموقف الرسمي للشيوعيين هو القبول المطلق بقيام دولة إسرائيل، واقتصر نقدهم على الممارسات التمييزية فقط، دون اتخاذ موقف ضد الطابع الاستعماري لإسرائيل. كانوا يتبعون بلا شك سياسة الاتحاد السوفيتي، فقد كان حزباً ستالينياً بالكامل.

بعد ثلاثة أشهر، استدعاني مجلس الكيبوتس وقدم لي إنذاراً نهائياً: إما التوقف عن حضور اجتماعات الحزب الشيوعي أو الطرد. قررتُ المغادرة، لكن المثير للاهتمام كان وجود أعمال مراقبة بوليسية؛ لقد كان مجتمعاً لا يقبل إلا شكلاً واحداً من التفكير والسلوك.

أتاحت لي علاقتي بالرفاق الشيوعيين التواصل مع أعضاء الكيبوتس الوحيد التابع للحزب الشيوعي، “ياد حنّا”. انتقلتُ إلى هناك بلا مشاكل، وأقمتُ صداقة مع شابين في سنّي: شلومو ساند (المؤرخ المعروف اليوم بمناهضته للصهيونية) وإسرائيل فاينبرغ. شكلنا ثلاثياً نقدياً، وبين النقاشات السياسية الحادة، لم تخلُ اللحظات من المرح.

في ذلك الوقت، كان يدور صراع داخل الحزب الشيوعي بين تيارين: أحدهما مؤيد لليهود بوضوح، والآخر يميل أكثر نحو العرب. وانحزتُ مع رفيقيّ إلى الفصيل المؤيد للعرب بقيادة “مائير فيلنر”. كان الجدل قاسياً، وكانت أغلبية أعضاء الكيبوتس تتبنى الموقف القومي اليهودي، مما جعل البقاء صعباً. رحلنا نحن الثلاثة إلى تل أبيب، حيث سكنتُ في البداية داخل مستودع ينام فيه العمال الفلسطينيون القادمون من قراهم للعمل في البناء.

تقربنا بعدها من مجموعة “ماتسبن” (Matzpen)، وهي أكثر راديكالية في موقفها المناهض للاستعمار. حدثت القطيعة مع الحزب الشيوعي عند غزو الجيش السوفيتي لتشيكوسلوفاكيا، وهو ما دعمته القيادة الشيوعية. انفتح الباب أمام نقد مفاهيمي وتاريخي للصهيونية بوصفها حركة استعمارية أوروبية، وكان جبرا نقولا، المناضل والاشتراكي الفلسطيني، هو من وجّهنا لفهْم هذا الطابع الاستعماري.

بعد حرب 1967 واحتلال القدس والضفة والجولان وغزة، كانت المأساة الثانية للفلسطينيين. عبرت “ماتسبن” علناً عن رفضها للاحتلال، وفي وثيقة نُشرت بالعبرية والعربية في يونيو 1967، جاء فيها: “تمثل دولة إسرائيل نتيجة لاستعمار فلسطين من قبل الحركة الصهيونية على حساب الشعب العربي، وتحت رعاية الإمبريالية. إن الطابع الصهيوني لإسرائيل يتعارض مع المصالح الحقيقية للجماهير، لأنه يعني التبعية الدائمة للقوى الأجنبية. لذا، نحن مقتنعون بأن حل المشكلة يتطلب إلغاء الصهيونية في إسرائيل…ويجب إلغاء ‘قانون العودة’، وتمكين اللاجئين الفلسطينيين من العودة والحصول على رد اعتبار كامل، وإلغاء كافة القوانين التمييزية ومصادرة الأراضي.”

واصلنا حملة التنديد وشاركنا في وقفة أمام البرلمان ضد المناخ العنصري. كما دخلت “ماتسبن” في حوار علني مع “الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين” بقيادة نايف حواتمة، وهو ما كسر المقاطعة السياسية التي فرضتها الحكومة الصهيونية. وفي تلك الفترة، انتشرت شعارات “لا للاحتلال” برمز السهم المتجه لليسار في مختلف المدن بشكل عفوي، مما أظهر أن المجتمع بدأ يعبر عن نفسه.

أما الواقع اليوم، فمعظم السكان اليهود يتبنون موقفاً معادياً للفلسطينيين بنظرة “قبلية” وحشية، لا تكترث بقتل النساء والأطفال. وللأسف، أرى اليوم تشابهاً مؤلماً بين انتفاضة غيتو وارسو وتدميره على يد الجيش الألماني، وبين أفعال الجيش الإسرائيلي من تدمير وقتل في غزة.

    أرغب بشكلٍ حاسم في تفكيك الطابع الصهيوني لإسرائيل، وفتح أفق تاريخي لإقامة دولة ديمقراطية لجميع مواطنيها، فلسطينيين ويهود على حد سواء

***

نبذة عن الكاتب

إدواردو موشيس شاعر ومحرر ومنشط ثقافي مكسيكي من أصل أرجنتيني، وُلد في بوينس آيرس عام 1944. عاش في إسرائيل بين عامي 1963 و1970، ثم درس العلوم الاجتماعية في الجامعة الحرة في برلين الغربية، قبل أن يستقر في المكسيك منذ عام 1976.

أسّس وأدار المجلة الأدبية “Blanco Móvil” منذ عام 1985، ويُعد من الأسماء البارزة في المشهد الثقافي المكسيكي. له إنتاج شعري غزير، من أعماله “كلمات في الصحراء” و”وطنان”، وقد تُرجمت نصوصه إلى عدة لغات، منها العربية والألمانية والإيطالية والإنجليزية، ونال جوائز وطنية ودولية تقديراً لإسهاماته الأدبية والثقافية.

 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد