وكالة سوا الاخبارية - 5/17/2026 2:02:28 PM - GMT (+2 )
لم تكن انتخابات اللجنة المركزية الجديدة لـِ حركة فتح حدثاً تنظيمياً عابراً، بقدر ما كانت لحظة سياسية تعكس التحولات العميقة داخل الحركة، بعد سنوات ثقيلة من الانقسام، وتراجع المشروع الوطني، وحرب الإبادة في غزة ، والتضييق غير المسبوق في الضفة الغربية. فالأسماء التي صعدت، والأسماء التي غادرت، لا تعبّر فقط عن نتائج صناديق اقتراع، بل عن إعادة تشكيل لموازين القوة، وشكل القيادة المقبلة، وطبيعة العقل الذي سيدير المرحلة الفلسطينية الأكثر غموضاً منذ عقود.
النتائج حملت دلالات واضحة منذ اللحظة الأولى. تصدّر الأسير مروان البرغوثي المشهد بحصوله على أعلى الأصوات لم يكن مجرد انتصار شخصي، بل رسالة تنظيمية وشعبية معاً، فالرجل، رغم سنوات الأسر الطويلة، ما زال يمثل لدى قطاعات واسعة داخل فتح صورة القائد القادر على الجمع بين الشرعية النضالية والكاريزما الشعبية. هذا التصويت الكثيف يعكس أيضاً حالة الحنين داخل الحركة إلى نموذج “القائد الميداني” القريب من الشارع، في مواجهة صورة السلطة البيروقراطية التي أثقلت الحركة خلال السنوات الأخيرة.
في المقابل، جاء صعود ماجد فرج في المرتبة الثانية ليؤكد أن مركز الثقل الحقيقي داخل الحركة بات أقرب إلى دوائر الأمن وصناعة القرار المباشر. فالرجل يُنظر إليه باعتباره أحد أكثر الشخصيات قرباً من مؤسسة الحكم، والأكثر حضوراً في العلاقات الإقليمية والدولية الحساسة. أما صعود حسين الشيخ واحتفاظه بموقع متقدم، فيعكس استمرار نفوذه المرتبط بإدارة السلطة والعلاقة مع المجتمع الدولي.
أما حضور جبريل الرجوب و توفيق الطيراوي ، فيكشف أن الحركة ما زالت تحافظ على توازنات “الحرس القديم” وأصحاب النفوذ التنظيمي التاريخي، حتى وإن تراجعت شعبيتهم مقارنة بأجيال سابقة. وفي المقابل، بدا فوز شخصيات مثل زكريا الزبيدي و ليلى غنام محاولة لإضفاء صورة أكثر حيوية وشعبية على اللجنة الجديدة.
جغرافياً، أظهرت النتائج استمرار هيمنة مراكز الثقل التقليدية داخل الحركة. فقد حضرت رام الله بقوة عبر البرغوثي وحسين الشيخ وليلى غنام، فيما حافظت غزة على تمثيل مؤثر عبر اياد صافي والأسير المحرر البرديني وأبو ماهر حلس وأحمد أبو هولي، رغم الظروف الكارثية التي يعيشها القطاع. كما برزت نابلس من خلال الطيراوي ودلال سلامة و محمد اشتية ، بينما حمل صعود زكريا الزبيدي تمثيلًا واضحًا لجنين بوصفها أيقونة الحالة الميدانية الجديدة في الضفة الغربية.
لكن الحدث الأكثر إثارة ربما لم يكن في أسماء الفائزين، بل في قائمة الخارجين من اللجنة المركزية. خروج شخصيات ثقيلة مثل إسماعيل جبر وعزام الأحمد وعباس زكي وروحي فتوح يعكس نهاية مرحلة كاملة داخل الحركة.
إسماعيل جبر لم يكن مجرد قائد عسكري سابق، بل أحد العقول التنظيمية التي حافظت على البنية الحركية التقليدية لفتح لعقود طويلة. كان يمثل جيل “الكوادر الصلبة” التي تربت على الانضباط التنظيمي والولاء التاريخي للحركة. أما عزام الأحمد، فكان الوجه الأكثر حضوراً في ملفات المصالحة والحوار الفصائلي، والسياسي الذي أتقن إدارة التوازنات المعقدة داخل النظام الفلسطيني. خروجهما لا يعني فقط تقاعد شخصيات تاريخية، بل تراجع المدرسة الكلاسيكية التي أدارت فتح منذ ما بعد أوسلو.
اللافت أيضاً هو صعود ياسر عباس، وهو أمر سيُقرأ سياسياً بوصفه مؤشراً على استمرار نفوذ الدائرة القريبة من الرئيس محمود عباس داخل بنية الحركة، خصوصاً في ظل الحديث المتزايد عن مرحلة ما بعد أبو مازن، والصراع الهادئ حول شكل القيادة القادمة.
في النهاية، تبدو اللجنة المركزية الجديدة أقرب إلى خليط معقد بين الشرعية النضالية، والنفوذ الأمني، والإدارة السياسية للسلطة. لكنها تواجه تحدياً أكبر من مجرد إعادة ترتيب المقاعد الداخلية، إذ إن الشارع الفلسطيني اليوم لا ينتظر فقط أسماء جديدة، بل ينتظر قدرة حقيقية على استعادة المعنى الوطني، وتجديد روح الحركة، وإقناع جيل كامل بأن فتح ما تزال قادرة على قيادة مشروع تحرري، لا مجرد إدارة أزمة طويلة بلا أفق واضح.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


