شبكة قدس الإخبارية - 5/18/2026 4:36:25 PM - GMT (+2 )
غزة لا تعيش اليوم “هدنة متعثرة” بالمعنى التقليدي، بل تعيش مرحلة أكثر قسوة وتعقيدًا: مرحلة تُدار فيها الحرب بلا إعلان حرب، ويُدار فيها التفاوض تحت النار، ويُدار فيها الإنسان الفلسطيني بين خطوط عسكرية، وخرائط مقيدة، ومساعدات مشروطة، وضغط يومي لا يتوقف.
في غزة، لم يعد الناس يلتفتون كثيرًا لبيانات "وقف إطلاق النار"؛ فالناس هنا طوّروا حاسة سادسة تفهم لغة الأرض لا لغة الطاولات في عواصم الوسطاء. منذ ذلك الاتفاق الهش في أكتوبر 2025، لم يتوقف الموت، بل غيّر طريقته فقط. نامت الطائرات قليلًا بعد حرب ابادة كبرى، لكن رصاص وصواريخ الاغتيالات، وقذائف الممرات المستحدثة، وأزيز "الزنانات" لم يغادر سماء القطاع.
توقفت بعض العناوين الكبيرة للموت، لكن النار بقيت تحت الرماد. ثم بدأت الخروقات، ثم عادت الاغتيالات، ثم توسعت العمليات الخاصة، ثم دخلت غزة في ما يشبه “الحرب منخفضة الكثافة”: لا اجتياح شاملًا يعلن بداية حرب جديدة، ولا تهدئة حقيقية تسمح للناس بالتقاط أنفاسهم.
حين تفتح الخريطة اليوم، لن تجد غزة التي تعرفها. الأمر لم يعد مجرد احتلال لعمق جيو-سياسي، بل "هندسة جغرافية وسكانية" خبيثة، الخط الأصفر: الذي بدأ كخط انسحاب أو عزل، تمدد تدريجيًا ليقضم المساحات.
الخط البرتقالي: هذا المحتل الجديد الذي كشفت عنه التقارير الدولية، أضاف 11% من مساحة غزة إلى المناطق المقيدة عسكريًا، والنتيجة: نحو ثلثي مساحة قطاع غزة باتت فعليًا تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية أو في دائرة التقييد الأمني المباشر! ما يتبقى للناس ليس سوى شريط ساحلي مكتظ وجيوب معزولة، يُراد للفلسطيني فيها أن ينشغل بلقمة عيشه وخيمته عن أي تفكير في السياسة أو المقاومة.
الخلاف الجوهري في كواليس المفاوضات واضح: الاحتلال يريد نزع سلاح المقاومة وتفكيك بنيتها الإدارية والشرطية قبل أي إعمار، والمقاومة ترفض فصل هذا الملف عن تنفيذ استحقاقات المرحلة الاولى والانسحاب والضمانات السياسية.
وأمام هذا الاستعصاء، يلوّح الاحتلال بـ "الخطة ب"، وهي الأخطر: بدلًا من البحث عن جهة فلسطينية تقبل بشروطه، يتجه الاحتلال إلى "تسييس المساعدات الإنسانية". محاولة خلق بؤر إدارة محلية معزولة خلف الخط الاصفر الزاحف، تُدار تحت عناوين براقة مثل "حماية المساعدات" أو "المناطق الإنسانية الآمنة". الهدف؟ تقسيم غزة وحصرها في "حالة إغاثية" بلا حلول.
لكن هذه الخطة تحمل بذور فشلها؛ فالتاريخ يعلمنا أن أي جِسم إداري يولد في ظل الجوع والاحتلال يفتقد للشرعية الشعبية، ولا يمتلك مقومات البقاء.
ان قراءة الواقع الميداني والسياسي، في ظل انشغال واشنطن بملف إيران وترتيب الإقليم، تضعنا أمام ثلاثة سيناريوهات حتى نهاية العام الجاري:
السيناريو الأول: استمرار الاستنزاف المنظم:بقاء الحال على ما هو عليه. هجمات متقطعة، اغتيالات مركزة، حصار انتقائي لأساسيات الحياة، واستمرار التفاوض "تحت النار" . الاحتلال يرى في هذا المسار ربحًا صافيًا يُبقيه في حالة هجوم دون كلفة الحرب الشاملة.
السيناريو الثاني: فرض نموذج إداري بديل: من خلال النجاح الجزئي في قضم مناطق اخرى جراحيًا وإداريًا، وتحويل خطوط الأمر الواقع الميدانية إلى حدود دائمة، مستغلاً الإنهاك الشعبي الهائل وحاجة الناس للبقاء، ومن ثم نقل بضعة آلاف خلف الخط الاصفر في اختبار تجريبي.
السيناريو الثالث: انفجار واسع : العودة إلى حرب شاملة مفتوحة. هذا السيناريو لا يبدو اولوية لدى الاحتلال فلي هذه المرحلة، الا في حال وصل التصعيد الى مستوى يدفع المقاومة لرد يكسر قواعد الاشتباك ويعيد خلط الأوراق إقليميًا.
المعركة الحالية ليست معركة "وقف إطلاق نار" كلاسيكية؛ بل هي معركة منع تثبيت الوقائع.
المعلومات تشير الى ان وفد المفاوضات من حماس والفصائل يتجه مجددا الى القاهرة خلال الساعات القادمة في إطار محاولة الوسطاء البحث عن مخرج، ومنع الانفجار، والتحايل على رفض الاحتلال تنفيذ استحقاقات المرحلة، ثم المناورة في تقديم صيغ تتعلق بمطلب نزع سلاح المقاومة، لكن هذه الجولة على طاولة المفاوضات في القاهرة، سوف تكون تحت وطأة القصف والاغتيالات والتهديد بالخطة "ب" في غزة
إقرأ المزيد


