ليس لدى الرئيس ترامب من يصدّقه
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: عبد المجيد سويلم

في آخر تراجع له، وهو التراجع الخامس أو السادس، قال الرئيس دونالد ترامب، إن هذا التراجع الأخير قد جاء تحت ضغط، أو نزولا عند رغبة ثلاثة من الزعماء العرب في منطقة الخليج، وبأنه قد (أرجأ) الضربة التي كانت مقررة في صبيحة اليوم التالي من هذا التراجع.

الاعتقاد على أوسع نطاق، وهو اعتقاد كاسح شعبيا ورسميا أميركياً وعالمياً أن هذا التأجيل ليس هو السبب ولا يمكن أن يكون السبب الحقيقي «للتكويعة» الجديدة. كما أن هذا الاعتقاد يسود الأوساط الرسمية كلها أيضاً.

باختصار، فإن الرئيس ترامب ليس لديه من يصدقه، أو ليس لديه من الذين يعتد بهم من المصدقين.

لنبدأ الجدل مع سردية الرئيس في نقطة أبعد قليلاً من واقعة التأجيل، ولعل من المؤكد هو أن الدول الثلاث قد مارست شكلاً من هذا الضغط، وقد تم ذلك وأكدته مصادر عربية وإسلامية، إضافة إلى مصادر دولية موثوقة، المسألة ليست هنا. المسألة في مكان آخر. فقد تم الضغط بالفعل، لكن الإرجاء هو الذريعة، وليس السبب بأي شكل وبالمطلق، والحقيقة هنا أوضح من أن يتمكن الرئيس ترامب لفلفتها والتلاعب بها والتحايل عليها.

فحتى لو أن دول الإقليم كلها، وكانت معها بعض الدول الوازنة عربيا وإسلاميا كانت مع حرب الـ12 يوما، أو ليست ممانعة لها فإن غالبية هذه الدول باتت على قناعة راسخة الآن بالعمل على درء أخطار أي حرب جديدة، بعد أن رأت ما حل بها خصوصا بعد حرب حزيران، وبعد الدمار الذي حلّ بها.

بعد حرب الأربعين يوما، باتت دول الخليج على قناعة تامة بأن الحرب قد فشلت، وان الجولة الثانية قد فشلت اكثر، وان الأهداف الأميركية والصهيونية قد تبخرت وان الأمر برمته قد تحول الآن إلى ورطة كبيرة لم يعد الخروج منها ممكنا دون مقامرة جديدة، أو البحث عن ذريعة مزيفة، أو عن حجة اقبح من رزمة كاملة من الذنوب.

ولو كان حقا أن سبب إرجاء هذه الضربة هو ضغط الدول الثلاث، فلماذا شنت أميركا حرب حزيران على ايران وهي تعرف أن الفشل فيها كان سيؤدي إلى دمار كبير فيها، وقد أدى فعلا، وقد حاولت ثني الولايات المتحدة عنها دون جدوى؟

حرب حزيران كانت الحرب الفاصلة، ومن يعتقد أن ثمة حروبا فاصلة أخرى في المدى المباشر أو المنظور فهو برأيي لم يدرك بعد حجم الفشل الذي ألمّ بالولايات المتحدة والذي انتهت إليه الحرب، وعمق الأزمة التي تولدت عنها، وحساسية الورطة التي تتلاحق أزماتها واحدة تلو الأخرى.

الأمور واضحة ومكشوفة.

ترامب خسر كل شيء، ولم يعد لديه ما يخسره اكثر، ولم يتبقَ معه سوى 30% من التأييد الشعبي، وهي قاعدة جلها من العنصريين، وتقع تحت التأثير المباشر للوبي الصهيوني وتقوده على مستوى الإدارة الخلية العقارية من الهواة، وعديمي الخبرة والكفاءة.

أمام هذا الواقع، وفي ظل عزلة الإدارة على كل صعيد وعزلة نتنياهو نفسه لم يعد أمامه سوى البحث عن انتصار يسوقه لهذه القاعدة أملا في البقاء، وليس سوى البقاء إلى أن تحين الانتخابات، علّه لا يتدهور اكثر، وعلّه يعيد ترميم أوضاعه، وترتيب أوراقه.

ترامب يعرف أن الوقت يخنقه، وان المونديال اصبح على الأبواب، وان الفرق والوفود تتأهب للسفر، وقد بدأت حملاتها والترويج لفرقها، ولم يعد أمامه سوى أسبوعين أو ثلاثة على أبعد تقدير للخروج من الورطة.

وجوهر الورطة يتجاوز الوقت الخانق، لأن ترامب لا يملك أي ضمانة بأن ايران إذا ما هوجمت سترد بنفس درجة الهجوم وحدته، وهو ليس على يقين من أن ايران لن تهاجم بشراسة قواته البحرية وهو لا يعرف إذا ما كانت ستجره إلى السواحل الإيرانية، وتحاصر القوات الأميركية هناك. هذا بالإضافة إلى أنها ربما تدمر الكثير من البنى التي تتعلق بالطاقة في كامل المنطقة، وفي دولة الاحتلال.

الحقيقة أن ترامب يأمل ويراهن على أن يخرج (الدخان الأبيض) من لقاء القمة الروسية الصينية، سواء تم الإعلان عن ذلك أم لا، لأن الانتصار الذي يبحث عنه ترامب يصبح ممكنا، وسيكون على صيغة ضمانات بإنهاء الحرب مقابل ضمان عدم امتلاك ايران للسلاح النووي.

ترامب يعرف أن نتنياهو في الطريق إلى البيت، لذلك بمقدوره أن يؤجل التوافقات والتفاهمات إلى مفاوضات تمتد لشهور تفصلنا عن الانتخابات.

هكذا يقول المنطق، أما دون ذلك، أو بخيارات أخرى، تقوم على إشعال حرب جديدة أو الدخول إلى ورطة جديدة فالأمر كله سيتحول إلى ساحة أخرى، ووجهة جديدة والى عوالم مختلفة.

هنا يكون ترامب قد عاد إلى المراهنة على هزيمة ايران، أو المراهنة على إخافتها لتقديم تنازلات كبيرة، وهنا تكون الطامة الكبرى، لأن هذه المغامرة ستؤدي إلى أزمة عالمية لا تقل خطورة عن أزمات الحروب العالمية، وستطيح بالاقتصاد العالمي ولن تكون هناك انتخابات لا في أميركا، ولا في دولة الاحتلال.

الحرب لم تعد عسكرية، ايران لا تستطيع إلحاق هزيمة بأميركا، فهي اضعف من ذلك، ولكن أميركا لا تملك أن تهزم ايران، لأن الحرب باتت مسألة أوراق وليس مجرد قوة عسكرية، ومن يمتلك الأوراق هو الذي سيربح الحرب، بصرف النظر عن ثمن الربح.

أميركا ستدفع ثمن الحرب، ومعها دولة الاحتلال مهما حاولتا التحايل على ذلك.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد