محمود خليلي: الذاكرة التشكيلية الفلسطينية مهدّدة في سورية
شبكة راية الإعلامية -

منذ اجتياح بيروت، مرورًا بحرب العراق، ظل الاتحاد العام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين يحاول البقاء بالرغم من الشتات. استمر فكرة وروحًا وفعلًا فنيًا في فرعه في سورية، ولكنه لم يعد موجودًا في لبنان، وفي الكويت. هذه الاستمرارية التي بقيت تئن تحت تغييرات سياسية مع النظام السوري الجديد، وعدم توفر الدعم الرسمي الفلسطيني.

في حديث لموقع "ضفة ثالثة"، قال الفنان محمود خليلي، المشرف العام على الاتحاد العام للفنانين التشكيليين الفلسطينيين في سورية: "يعد الاتحاد اليوم إطارًا يجمع الفنانين الفلسطينيين، ولو بشكل محدود، بسبب خصوصية الوضع في سورية، في ظل النظام الجديد، ووجود إجراءات جديدة ومرحلة تغيير. مع الأسف، نحن لا نعمل بالشكل الذي نطمح إليه".

اتحاد بلا مقر... وذاكرة فنية مهددة

يصف خليلي وضع الاتحاد بأنه يعمل بلا مقر، وبلا مساعدات، سوى القليل، والذي لا يكفي لتغطية نشاطاته. وأضاف أن الفنانين، خلال السنوات الماضية، كانوا يحفظون لوحاتهم، بل ويجتمعون في إحدى غرف الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين، بينما خصصت منظمة التحرير الفلسطينية لهم سابقًا غرفة في أحد مقراتها في دمشق، والتي تم سحبها بعد سقوط النظام السوري.
يجتمع الاتحاد اليوم في المقاهي والبيوت، وينظم المعارض الفنية بحماسة عالية، رغم ذلك. لكن النتائج متواضعة جدًا، وأقل من الطموح. ومع ذلك تم تأسيس لجنة تحضيرية لعقد مؤتمر الاتحاد لفرع سورية، بعد انقطاع لفترة تمتد بين 2001 و2024. ترأس اللجنة الفنان خليلي، واجتمعت مع كل القوى والفصائل والمؤسسات الفلسطينية الفاعلة في سورية للبحث في الصيغة الأمثل لعقد المؤتمر.
يقول خليلي: "تميز الاتحاد بخروجه عن المألوف في مؤتمرات المنظمات الشعبية الفلسطينية، بعيدًا عن التمثيل الحزبي. وعقدنا مؤتمرًا ديمقراطيًا لا علاقة له بالتوزيع الفصائلي، كل مرشح يمثل نفسه، وليس حزبه. ورغم صعوبة ذلك، حصلنا على مباركة القوى الفلسطينية".
عقد المؤتمر مؤخرًا، وانتخب خليلي مشرفًا عامًا، عبر التصويت بالإجماع، كما انتخب الفنان محمد الكوعي رئيسًا، مع سبعة أعضاء يشكلون الهيئة الإدارية.

انعقد أول مؤتمر للاتحاد عام 1979 في بيروت، وترأسه الفنان الراحل إسماعيل شموط. وفي ذلك العام، عقد الاتحاد مؤتمره في فرع سورية، وانتخب الفنان الراحل عبد المعطي أبو زيد رئيسًا. كما تأسس فرع ثالث في الكويت، فيما منع الاحتلال الإسرائيلي تشكيل فرع في الوطن في ذلك الوقت، فتم تشكيل رابطة كانت بمثابة فرع. وفي المؤتمر الثاني عام 1991، انتُخب الفنان خليلي رئيسًا حتى استقالته عام 2001. حينها أعيد انتخاب أبو زيد مجددًا لحين وفاته عام 2023.

"يجتمع اتحاد التشكيليين الفلسطينيين اليوم في المقاهي والبيوت، وينظم المعارض الفنية بحماسة عالية، رغم ذلك. لكن النتائج متواضعة جدًا، وأقل من الطموح"

تفكك فرع بيروت مع الاجتياح، وفرع الكويت مع حرب العراق، بينما بقي فرع سورية العنوان، بل وكان الأكبر من حيث عدد الأعضاء، والوحيد الذي يحمل راية الاتحاد.
وكانت أبرز التحديات التي واجهها الاتحاد عدم دعم الصندوق القومي، الذي يعد الذراع المالي والإداري لمنظمة التحرير، ومن مهامه تقديم الدعم المالي للجاليات الفلسطينية والمؤسسات والاتحادات الفلسطينية في الخارج، كما خسر عددًا من أعضائه في السنوات الماضية بهجرتهم. ويبلغ عدد أعضاء الاتحاد اليوم نحو تسعين فنانًا وفنانة.
أوضح خليلي الوضع المالي فقال: "ارتبط الاتحاد بمساعدات متواضعة من بعض الفصائل الفلسطينية التي تعد موسمية، عدا عن فترات انقطاعها، والتي تصل لسنوات، لكننا استطعنا الاستمرار بجهود الفنانين الشخصية. ومنذ بداية التسعينيات قمنا باستئجار مقر في مخيم اليرموك، وتجهيزه بصالة معارض صغيرة أطلقنا عليها اسم "الكرامة"، وكان لها دور مهم، حيث نظمنا فيها نشاطين في الشهر، وأسابيع ثقافية، ومحاضرات، وتكريمات، لكن الصالة تدمرت بما فيها من لوحات خلال السنوات الماضية".
وحول خطة الاتحاد المستقبلية، قال: "أشعر بألم حين يوجه لي هذا السؤال، فما نتقاضاه من مساعدات فلسطينية لا تكفي لضيافة في معرض، أو أجرة نقل لوحات من مكان إلى آخر، رغم أننا رفعنا الصوت عاليًا بمطالبنا، نحن منظمة فلسطينية لم تنشق، ولم تعلن أي موقف تجاه أي جهة، نعمل لأجل فلسطين بعيدًا عن المحسوبيات الفصائلية".
وكان السؤال المطروح في رأيه هو: "لماذا لا يتقاضى الاتحاد رواتب من الصندوق القومي الفلسطيني؟ ولماذا نقتات على المساعدات من بعض القوى الفلسطينية، والتي لا تسد الرمق؟".

الاتحاد والعلاقة مع الوطن

وبين معرض الكرامة السنوي، الذي أصبح في ما بعد معرض "الأرض"، تزامنًا مع يوم الأرض، واظب الاتحاد على تقديم أهم التجارب الفنية التشكيلية للفنانين الفلسطينيين في سورية، ولعل آخرها تنظيم معرض "اللوحة الصغيرة"، بالتعاون مع مديرية الثقافة في العاصمة دمشق، والذي ينظم سنويًا منذ ثلاث سنوات، وتنظيم "أيام الفن الفلسطيني"، وهو نشاط أوسع يشمل معرض فن تشكيلي كبير، ومعرض صور، ومعرض تراث وغناء فولكلوري.
شارك الاتحاد ممثلًا للفنانين الفلسطينيين في معارض دولية، منها ما كان يصل عبر المؤسسات الفلسطينية، بمشاركة فنانين من الوطن والشتات، للمشاركة في معارض في قبرص، وفيينا، وألمانيا، والاتحاد السوفياتي سابقًا، وإيران، وهلسنكي العاصمة الفنلندية، ومعظم الدول العربية، لكن بعد قيام السلطة الوطنية الفلسطينية انقطعت العلاقات مع المعارض الدولية حسب ما أكده خليلي.
ونوه أيضًا إلى مبادرة الشاعر الفلسطيني عبد الله عيسى، الملحق الثقافي في سفارة فلسطين في موسكو، حيث نظم معارض بالتعاون مع الاتحاد، وقال: "نعيش اليوم في ظروف قد تكون الأصعب بعد مغادرة معظم فصائلنا الفلسطينية سورية، التي كانت تقدم لنا بعض الدعم".
وحول مضامين الإنتاجات الفنية الفلسطينية في الشتات، قال: "نحرص على إنتاج أعمال يمكن أن تصل برسالتها الوطنية إلى العالم، بعيدًا عن بعض المدارس الفنية، ومعظمها تعبر عن الهم الفلسطيني، ومنها ما يتعلق بالأرض والمقاومة بأشكالها، والمجازر التي كان لها مساحة كبيرة، ومواكبة الأحداث الكبرى، مثل النكبة، وانطلاقة المقاومة، واجتياح بيروت، وصولًا إلى حرب الإبادة على غزة، والتي أنجزنا حولها جداريات عديدة. كما نبرز فلسطين الجميلة، في أعمال كثير من الفنانين الذين رسموا قراهم ومدنهم. وطبعًا لا ينسى الفنان الفلسطيني أن يترك مساحة للأمل في لوحاته"

اندمج الفنان الفلسطيني بالحركة الفنية السورية، وكانوا أعضاءً فاعلين في اتحاد الفنانين التشكيليين السوري، ومن أبرز هذه التجارب الفنان الراحل مصطفى الحلاج، الذي يعد مدرسة فنية استثنائية، بمبادرات إبداعية خلاقة في فن الغرافيك. ومن أبرز أعماله لوحة "نهر الحياة"، وطولها أكثر من مائة متر. والفنان الراحل عبد الحي مسلم، والذي تشتت بين الأردن، ولبنان، وسورية، واعتمدت أعماله على خليط من نشارة الخشب والغراء ينشئ منها لوحات مسطحة، وكان مرسمه في مخيم اليرموك مزارًا للسياح من أنحاء العالم. وقد حافظ زملاؤه في سورية على بعض أعماله ريثما يعود من الأردن. وكانت أمنيته الأخيرة إنشاء متحف لأعماله، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

الفنان الشاب محمد أبو صلاح، الذي توفي وهو في الخامسة والعشرين، هو من مؤسسي الاتحاد، صاحب تجارب فنية مهمة تعتمد الألوان المائية في التلوين بجمالية وعمق، ويعد أبو صلاح مرجعًا لعدد من الفنانين في هذا المجال. أما الفنان الراحل عبد المعطي أبو زيد فهو من أهم المؤسسين للاتحاد، والذي قاد مرحلة التأسيس في دمشق، وكان له دور بارز في البحث عن الفنانين الفلسطينيين وتنظيم معرض دائم لهم.

أما الفنان محمود خليلي، وهو من أبرز الفنانين الفلسطينيين، حيث شارك ممثلًا في الدراما السورية والعربية بين التلفزيون والمسرح والسينما، وله عشرات الأعمال الفنية، فختم حديثه قائلًا: "فلسطين هي البوصلة، وهي النبض الذي يحرك سطح اللوحة الساكن، وهذا لا علاقة له بالمساعدات التي لا نتلقاها. سنبقى نعمل، لدينا خطة للعام المقبل، لكن السؤال يكمن في ماذا نستطيع أن نحقّق منها، وهذا موجه لأصحاب القرار في الساحة الفلسطينية!".
في ظل غياب الدعم، وتآكل البنية المؤسسية، لا يبدو أن التحدي الذي يواجهه الفنانون الفلسطينيون في سورية هو الاستمرار في الإنتاج فحسب، بل حماية الذاكرة نفسها من التلاشي. والاتحاد الذي بقي روحًا وفعلًا فنيًا ما زال يبحث عن إطار يحفظه من أن يتحول إلى مجرد ذكرى أخرى في سجل الشتات الفلسطيني.



إقرأ المزيد