شبكة راية الإعلامية - 5/25/2026 2:54:26 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. محمد عودة
من المعروف أن الحركة الصهيونية جاءت نتاج نصوص وضعها البشر في التلمود بكل صيغه وأسفاره وإصحاحاته، وذلك قبل ما يقارب ألفًا وخمسمئة عام، سواء في تلمود أورشليم أم التلمود البابلي. وهنا يتبادر السؤال التالي: هل وُضعت النصوص لتبرير الإجرام، أم أن الإجرام جاء لإثبات النصوص؟ سؤال برسم الإجابة، حيث إن الاعتقاد السائد هو أن الحركة الصهيونية ووليدها الكيان يخوضان الحروب لتثبيت النصوص وليس العكس، في حين أن الكثيرين من العلماء، بمن فيهم يهود، يشككون في هذه النصوص لأنها تتناقض فيما بينها، كما تتناقض مع طبيعة الله.
ومن أجل الاستدلال على الحقيقة، لا بد من سرد بعض النصوص، وهي كثيرة جدًا ولا يمكن أن يتسع لها مقال واحد، وبالتالي كنت مضطرًا إلى أخذ أمثلة وعينات من النصوص التي تغطي موضوع الإجرام المبرر من جهة، وتتناقض مع النصوص التوراتية من جهة أخرى، إضافة إلى أنها تخالف تعاليم الرب بشكل دائم ومتكرر.
حيث يظهر في النصوص التوراتية، وخصوصًا في سفر التثنية، تشكّل منظومة واضحة من أحكام الحرب التي لا تُعرض بوصفها أوامر منفصلة، بل كتصور متكامل لكيفية التعامل مع المدن والشعوب في سياق التوسع والصراع. هذا التصور لا يقوم على لحظة واحدة من الفعل، بل على بناء تدريجي يتدرج من أقل درجات الصدام إلى أكثرها حسمًا، بما يعكس منطقًا قانونيًا داخليًا يربط بين القرار العسكري، وإدارة المجتمع، وتنظيم العلاقة مع “الآخر”.
ويبدأ هذا البناء من فكرة الدعوة إلى الاستسلام، ثم يتدرج نحو الحصار، ثم يميز بين المدن البعيدة والمدن القريبة، قبل أن يصل إلى تفاصيل التعامل مع الموارد الطبيعية مثل الأشجار، وكأن النص ينتقل من السياسة إلى الحرب إلى إدارة البيئة ضمن مسار واحد مترابط.
في هذا الإطار، يظهر مبدأ الدعوة إلى الاستسلام كخيار أولي عند الاقتراب من مدينة خارجية، باعتباره نقطة البداية في العلاقة قبل الانتقال إلى الصراع: («حين تقرب من مدينة لكي تحاربها، استدعها إلى الاستسلام.») (تثنية 20:10).
فإذا استجابت المدينة وفتحت أبوابها، فإن العلاقة لا تنتهي عند حدود التوقف عن القتال، بل تتحول إلى صيغة خضوع سياسي واقتصادي يعيد تشكيل العلاقة بالكامل: («فإن أجابتك إلى الصلح وفتحت لك، فكل الشعب الموجود فيها يكون لك للتسخير ويخدمك.») (تثنية 20:11).
أما إذا لم يتم قبول هذا المسار، فإن النص ينقلنا مباشرة إلى مرحلة الحصار كبديل وحيد: («وإن لم تسالمك بل عملت معك حربًا، فحاصرها.») (تثنية 20:12). وهكذا يتدرج النص من خيار تفاوضي إلى خيار عسكري كامل دون فراغ بين المرحلتين.
ثم يتصاعد المسار إلى مرحلة أكثر حدة عند حسم المعركة، حيث يتم توصيف نتائج السيطرة العسكرية بشكل مباشر: («فإذا دفعها الرب إلهك إلى يدك، فاضرب كل ذكورها بحد السيف.») (تثنية 20:13).
ولا يتوقف الأثر عند المقاتلين، بل يمتد ليشمل البنية الاجتماعية والاقتصادية داخل المدينة: («وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها، فتغنمها لنفسك.») (تثنية 20:14).
وفي هذا السياق يُقدَّم هذا النموذج أولًا باعتباره متعلقًا بالمدن البعيدة، أي خارج المجال المباشر للشعوب المستهدفة في الأرض: («هكذا تفعل بكل المدن البعيدة منك جدًا، التي ليست من مدن هذه الأمم هنا.») (تثنية 20:15).
لكن عند الانتقال إلى المدن القريبة، يتغير المنطق القانوني بشكل جذري، حيث ينتقل النص من التدرج إلى الحسم الكامل، ومن إمكانية الصلح إلى نفيها بالكامل: («وأما مدن هؤلاء الشعوب التي يعطيك الرب إلهك نصيبًا، فلا تستبقِ منها نسمة حيّة.») (تثنية 20:16).
ثم يُعاد تثبيت هذا القرار داخل مفهوم التحريم الشامل الذي لا يترك مساحة للاختيار: («بل تحرمها تحريمًا…») (تثنية 20:17)، ويرتبط هذا الإجراء بمنع انتقال التأثير الثقافي والديني: («لكي لا يعلّموكم أن تفعلوا حسب كل رجاساتهم التي عملوا لآلهتهم.») (تثنية 20:18).
وهنا يتحول الصراع من كونه عسكريًا إلى كونه صراعًا على البنية الثقافية والرمزية نفسها، وفي امتداد هذا البناء التشريعي، ينتقل النص من الإنسان إلى الطبيعة، ليضع حدودًا لإدارة الموارد أثناء الحصار، بحيث لا يتحول التدمير إلى قاعدة مطلقة: («وأما الشجر فتأكله ولا تقطعه، لأنه هل شجر الحقل إنسان حتى يحاصرك؟») (تثنية 20:19).
لكنه، في الوقت نفسه، يميز بين الموارد القابلة للاستخدام وغير ذلك، فيسمح بإزالة ما لا يُستفاد منه في سياق الحصار: («إنما الشجر الذي تعلم أنه ليس شجرًا يؤكل، فإياه تُهلك وتقطع، وتبني حصارًا على المدينة التي تحاربك حتى تسقط.») (تثنية 20:20)، وبذلك لا يبقى التعامل مع الطبيعة خارج منطق الحرب، بل جزءًا من تنظيمها الداخلي.
وعلى مستوى موازٍ داخل النصوص نفسها، لا يظهر منطق الحرب وحده، بل يظهر منطق آخر يتعلق بامتداد أثر الفعل الإنساني عبر الزمن، حيث لا يبقى الذنب أو الفعل محصورًا في صاحبه، بل يمتد إلى الجماعة والأجيال.
في هذا السياق تتكرر نصوص تؤكد فكرة امتداد المسؤولية أو نتائجها، مثل: (أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع) (الخروج 20:5)، و(أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع) (التثنية 5:9)، و(مفتقد إثم الآباء في الأبناء وفي أبناء الأبناء) (الخروج 34:7)، و(يفتقد ذنب الآباء في الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع) (العدد 14:18)، و(آباؤنا أخطأوا... ونحن نحمل آثامهم) (المراثي 5:7)، و(المجازي ذنب الآباء في حضن بنيهم بعدهم) (إرميا 32:18)، و(هيئوا لبنيه ذبحًا بإثم آبائهم) (إشعياء 14:21)، و(ملعون كنعان) (التكوين 9:25)، و(فبرص نعمان يلصق بك وبنسلك إلى الأبد) (الملوك الثاني 5:27)، و(الابن المولود لك يموت موتًا) (صموئيل الثاني 12:14)، و(ورجمهم جميع إسرائيل بالحجارة) (يشوع 7:24-25)، وكذلك في الأدبيات التلمودية: (يفتقد ذنوب الآباء في الأبناء) (Berakhot 7a)، و(الابن يُعاقَب بسبب أبيه) (Sanhedrin 27b).وبهذا نجد داخل النصوص مسارين متداخلين: مسارًا ينظم العلاقة في سياق الحرب وإدارة المدن والموارد، ومسارًا آخر أوسع يتعلق بامتداد الأثر الإنساني عبر الزمن داخل الجماعة، فالفعل لا يُفهم فقط في لحظته المباشرة، بل في امتداداته، سواء في المجال السياسي أو الاجتماعي أو الأخلاقي، وفي النهاية، يظهر هذا البناء كمنظومة واحدة مترابطة، لا تقوم على أوامر منفصلة، بل على منطق داخلي واحد يعيد إنتاج العلاقة بين القوة والمعنى والزمن داخل النصوص نفسها.
عودة الى البداية نطرح التساؤل،هل وضع التلمود لتبرير الحروب والاجرام ام ان الحروب جاءت لتعزز ولتثبت الرواية التلمودية حتى تصبح نصا دينيا مسلما به؟..
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


