شبكة راية الإعلامية - 5/28/2026 4:54:28 PM - GMT (+2 )
الكاتب: المحامي عبدالحميد السعدي
إن افتتاح سلطات الاحتلال الإسرائيلي لما يسمى “مكتب تسوية الأراضي” في الضفة الغربية لا يمكن قراءته باعتباره إجراءً إدارياً عادياً أو تنظيماً عقارياً محايداً، بل يشكل تحولاً خطيراً في البنية القانونية التي يسعى الاحتلال إلى فرضها على الأرض الفلسطينية المحتلة، ضمن مشروع متكامل يهدف إلى نقل السيطرة الفعلية والقانونية على الأراضي الفلسطينية إلى سلطة الاحتلال والمشروع الاستيطاني.
فالاحتلال الإسرائيلي، ومنذ سنوات، يعمل بصورة تدريجية على تحويل السيطرة العسكرية المؤقتة التي يقرها القانون الدولي إلى سيطرة سيادية دائمة، مستخدماً أدوات تشريعية وإدارية وقضائية تهدف إلى إعادة تعريف ملكية الأرض الفلسطينية وفق المنظور القانوني الإسرائيلي، وليس وفق القوانين الفلسطينية أو الأردنية النافذة.
وتكمن الخطورة الجوهرية في مشروع التسوية الإسرائيلي في أن الاحتلال يحاول فرض تسجيل جديد للأراضي تحت إشرافه المباشر، الأمر الذي يمنحه صلاحية إعادة فحص الملكيات والاعتراض عليها وإعادة تصنيفها، بما يؤدي عملياً إلى مصادرة مساحات واسعة من الأراضي تحت ذرائع مختلفة مثل:
* أراضي الدولة.
* أملاك الغائبين.
* الأراضي غير المسجلة.
* الأراضي غير المستغلة.
* الملكيات غير المثبتة وفق المعايير التي يفرضها الاحتلال.
وهنا تظهر الكارثة القانونية الحقيقية، إذ أن غالبية الأراضي الفلسطينية، خاصة في المناطق المصنفة (ج)، تعتمد تاريخياً على:
* قيود ضريبية قديمة.
* حجج بيع عرفية.
* سندات عثمانية.
* معاملات إرث غير منجزة.
* استعمال فعلي طويل للأرض دون تسجيل نهائي في الطابو.
وفي ظل المشروع الإسرائيلي الجديد، فإن هذه الأشكال التقليدية من الإثبات تصبح مهددة بعدم الاعتراف بها أو الطعن فيها، ما يفتح الباب أمام إعلان الأراضي “أراضي دولة” ونقل السيطرة عليها لصالح التوسع الاستيطاني.
ومن أخطر ما يترتب على هذه الإجراءات أن الاحتلال يركز بصورة أساسية على الأراضي الواقعة في المناطق المصنفة (ج)، والتي تشكل ما يقارب 63% من مساحة الضفة الغربية، وتشمل:
* الأغوار الفلسطينية.
* محيط المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
* الأراضي الزراعية المفتوحة.
* المناطق المحاذية للجدار والاستيطان.
* أراضي الرعي والجبال والسهول غير المنظمة.
* الأراضي الواقعة قرب الطرق الالتفافية والمعسكرات.
كما أن هذه السياسة تستهدف بشكل خاص المحافظات التي تشهد توسعاً استيطانياً مكثفاً، ومنها:
جنين، نابلس، سلفيت، رام الله، بيت لحم، الخليل، الأغوار، والقدس ومحيطها.
والأخطر قانونياً أن الاحتلال يسعى من خلال هذا المشروع إلى تحويل المستوطنات المقامة بصورة غير شرعية على أراضٍ فلسطينية خاصة إلى كيانات “قانونية” وفق المنظومة الإسرائيلية، تمهيداً لضمها الفعلي وربطها إدارياً وقانونياً بدولة الاحتلال.
إن هذه الإجراءات تشكل انتهاكاً صارخاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، وعلى وجه الخصوص:
المادة 46 من لائحة لاهاي لعام 1907 التي نصت صراحة على احترام الملكية الخاصة وعدم جواز مصادرتها.
والمادة 47 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تمنع سلطة الاحتلال من إجراء أي تغيير يمس الوضع القانوني للأرض المحتلة أو حقوق سكانها.
كما أن المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر نقل سكان دولة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة، وهو ما يشكل الأساس القانوني لعدم شرعية الاستيطان.
إضافة إلى ذلك، فإن الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية أكد أن الاحتلال الإسرائيلي لا يملك أي سيادة على الأرض الفلسطينية المحتلة، وأن جميع الإجراءات الرامية إلى تغيير الطابع الديمغرافي أو القانوني للأرض المحتلة تعتبر باطلة وغير مشروعة.
ومن الناحية العملية، فإن مشروع التسوية الإسرائيلي لا يهدد الأرض فقط، بل يهدد الوجود الفلسطيني ذاته، لأن السيطرة على الأرض تعني:
* خنق التوسع العمراني الفلسطيني.
* منع البناء والزراعة.
* توسيع الاستيطان.
* تفتيت التجمعات الفلسطينية.
* التحكم بالمياه والموارد الطبيعية.
* فرض وقائع سياسية وجغرافية تجعل أي حل مستقبلي مستحيلاً.
إن المعركة اليوم لم تعد مجرد نزاع عقاري، بل أصبحت معركة سيادة ووجود وحقوق تاريخية، الأمر الذي يفرض تحركاً قانونياً وطنياً عاجلاً يقوم على:
* استكمال معاملات الطابو والتسجيل وحصر الإرث.
* توثيق الملكيات والاعتراضات بصورة قانونية.
* تشكيل لجان قانونية متخصصة للدفاع عن الأراضي المهددة.
* التوجه للمؤسسات والمحاكم الدولية.
* فضح الطبيعة الاستعمارية لمشروع التسوية الإسرائيلي أمام المجتمع الدولي.
فالسكوت عن هذه الإجراءات يعني عملياً خسارة تدريجية ومنظمة لما تبقى من الأرض الفلسطينية تحت غطاء قانوني شكلي تصنعه سلطة الاحتلال لخدمة مشروع الضم والاستيطان.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


