بين الركام والصدأ.. شتلات صغيرة تتحدى خراب غزة
وكالة سوا الاخبارية -

في جنوب قطاع غزة ، يقف المزارع محمد زعرب بين عشرات العلب المعدنية الصدئة، التي تحولت بين يديه إلى أوعية صغيرة تحتضن شتلات خضراء. هذه العلب كانت قبل أشهر مجرد بقايا مخلفات ألقتها "التكايا" بعد توزيع الطعام على النازحين، لكنها اليوم تنبض بالنعناع والفلفل والباذنجان والورد، في مشهد يختزل محاولة يومية مستميتة لاستعادة ما سلبته الحرب من الأرض والناس.

بدأت الحكاية من مشهد متكرر؛ أكوام من المعلبات الفارغة المتناثرة قرب نقاط الإيواء. لم يرَ زعرب في تلك المخلفات نهاية لوظيفتها، بل بداية لبعث جديد؛ فجمعها، ونظفها، وملأها بالتراب، مستبدلاً بها أكياس النايلون الزراعية المفقودة، لتولد "القواوير المعدنية" كبديل مبتكر وقليل التكلفة في واقع يخلو من الإمكانات.

يقول زعرب إن الفكرة انطلقت كتجربة محدودة داخل مشتله الصغير، لكنها سرعان ما تجاوزت جدرانه مع تزايد شغف المواطنين بها، لتنتقل الشتلات إلى الخيام، وأسطح المنازل، ومداخل مراكز النزوح، حيث وجد الكثيرون في اللون الأخضر مساحة نادرة للراحة البصرية وسط ركام الدمار المتواصل.


ولم تعد هذه الأوعية مجرد وسيلة لإعادة التدوير، بل تحولت إلى بديل اقتصادي يناسب أوضاعاً يثقلها الفقر والبطالة؛ فأسعارها الرمزية جعلت اقتناءها ممكناً للأسر النازحة التي تبحث عن أي تفصيل يعيد الحياة إلى محيطها القاسي.

غيّر أن الزراعة في القطاع المحاصر لم تعد كما كانت؛ فالحرب وفقاً لزعرب، لم تكتفِ بتجريف الأراضي وقصف الحقول، بل قضت على سنوات من العمل المرتبط بالتربة، في ظل غياب المستلزمات الأساسية كالأسمدة والمبيدات، مما دفع المزارعين إلى الاعتماد الكلي على ما توفر محلياً من بذور بدائية.

عربة أمل بين الخيام

هذه المبادرة لم تقف عند حدود المشاتل، بل فتحت باب رزق مؤقت لشبان فقدوا أعمالهم؛ يدفع الشاب ماهر العبادلة عربته الخشبية بين الطرقات الرملية وممرات الخيام، حاملاً عشرات العلب المعدنية الخضراء. ويقول: "دفعتني الحرب إلى هذا المجال بعدما أغلقت كل أبواب العمل في وجوهنا".


ويضيف العبادلة أن الإقبال على شراء الشتلات يزداد باستمرار رغم قسوة النزوح: "الناس سئمت مشاهد الخراب والرماد، وأصبحت تبحث عن نبتة نعناع أو وردة صغيرة تضعها أمام خيمتها.. المسألة لم تعد زراعة فحسب، بل تمسك بأي شيء يشبه الحياة".

كارثة زراعية غير مسبوقة

تأتي هذه المبادرات الفردية في وقت يواجه فيه القطاع الزراعي في غزة واحدة من أسوأ أزماته التاريخية. ويؤكد المتحدث باسم وزارة الزراعة، رأفت عسلية، أن الحرب خلّفت دماراً واسعاً طال الأراضي، والآبار، وبنية الري التحتية، والبيوت البلاستيكية، والمخازن، مما أفقد آلاف المزارعين مصادر رزقهم.

وبحسب عسلية، تعرضت أكثر من 80% من الأراضي الزراعية للتدمير أو الضرر المباشر، بما يعادل نحو 125 ألف دونم، بعدما كانت المساحة الزراعية قبل الحرب تُقدّر بنحو 178 ألف دونم (منها 93 ألفاً مزروعة بالخضروات والمحاصيل الموسمية).


 

ونظراً لعدم القدرة على الوصول إلى المساحات المتضررة جزئياً وتدمير شبكات الري بالكامل، يوضح عسلية أن المساحات القابلة للزراعة الفعلية حالياً تراجعت إلى أقل من سبعة آلاف دونم فقط. وطال الدمار أيضاً المشاتل المركزية التي كانت تنتشر في بيت لاهيا، وبيت حانون، والمناطق الشرقية لغزة وخان يونس ورفح، والتي شكلت لسنوات العصب الرئيسي لإنتاج الشتلات.

ورغم محاولات العودة الخجولة للفلاحة في بعض المناطق الوسطى وخان يونس، إلا أن المزارعين يواجهون عقبات مميتة؛ تشمل استمرار القصف، وفرض المناطق العازلة، والنقص الحاد في المياه والوقود والأسمدة.

وسط هذه السوداوية، تبدو العلب المعدنية الصدئة في غزة أكبر من مجرد مشروع لإعادة التدوير؛ إنها وثيقة صمود صغيرة لزرع الأمل في أرض أرهقتها الحرب، وإثبات حيّ بأن الحياة قادرة على أن تشق طريقها.. حتى من بين بقايا الصدأ والركام.

المصدر : وكالة سوا - عبير مراد

إقرأ المزيد