رسالة مفتوحة إلى أعضاء اللجنة المركزية لحركة "فتح" قبيل اجتماعها الأول المقرر اليوم
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: د. مروان إميل طوباسي

الأخوات والإخوة أعضاء اللجنة المركزية،

ينعقد اجتماعكم الأول اليوم في مرحلة تُعد من أكثر المراحل تعقيداً وخطورة في تاريخ قضيتنا الوطنية، في ظل حرب مستمرة على شعبنا وشعوب المنطقة، ومحاولات متواصلة لتصفية حقوقه الوطنية بل ووجوده، وتصاعد المشروع الاستيطاني الإحلالي، واستمرار حالة الجمود السياسي التي تكاد تغلق أي أفق جدي نحو الحرية والاستقلال الوطني.

وتزداد خطورة هذه المرحلة في ظل ما يُطرح من تصورات ومشاريع تحت عنوان المعازل الجغرافية الذاتية في الضفة الغربية و"اليوم التالي" في قطاع غزة، والتي تشير تسريبات ومواقف متداولة بشأنها إلى محاولات لإعادة هندسة الواقع السياسي الفلسطيني أو الالتفاف على الولاية السياسية والتمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا في كافة أماكن وجوده، باعتبارها البيت الجامع والجبهة الوطنية الواسعة التي تحتاج إلى استنهاض دورها وتجديد مؤسساتها، واستحقاق إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني بما يعزز منهج العمل الديمقراطي ومبدأ فصل السلطات والمواطنة والمشاركة الشعبية الواسعة في صناعة القرار.

ويتزامن ذلك مع استمرار سياسات الضم الإحلالي والتوسع والإرهاب الاستيطاني والتفكيك الجغرافي والديموغرافي في الضفة الغربية والقدس، بما يهدد وحدة الأرض والشعب والقضية الفلسطينية، ويفرض على "فتح" والشركاء في الحركة الوطنية الفلسطينية مسؤولية تاريخية في الدفاع عن وحدة التمثيل الوطني وصون وحدة النظام السياسي الفلسطيني وحماية المشروع الوطني من محاولات التهميش أو التجزئة أو الاحتواء.

إن مواجهة هذه المشاريع لا يمكن أن تقتصر على رفضها أو التحذير منها ، بل تستوجب المبادرة إلى بلورة رؤية وطنية جامعة لمستقبل قطاع غزة والضفة الغربية والقدس كوحدة جغرافية وسياسية واحدة لاراضي دولة فلسطين المحتلة ، وتحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية ، مع ضرورة توضيح العلاقة الجدلية بينها وبين السلطة الوطنية ، بما يحصّن القرار الوطني المستقل ويمنع فرض تصورات أو ترتيبات تتعارض مع الحقوق الوطنية الفلسطينية .

الأخوات والإخوة ،
إن التحدي المطروح أمامكم اليوم لا يقتصر على استكمال الاستحقاقات التنظيمية أو توزيع المهام والمسؤوليات ، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة بلورة رؤية سياسية قادرة على استنهاض حركة "فتح" والحركة الوطنية الفلسطينية وإعادة المبادرة إلى يد شعبنا في لحظة تاريخية تتطلب الجرأة في التفكير والمسؤولية في القرار واختراق الواقع القائم .
ومن هذا المنطلق ، تبدو الحاجة ملحة للتفكير في إطلاق مبادرة سياسية فلسطينية جديدة موجهة إلى المجتمع الدولي وإلى القوى الديمقراطية الحقيقية داخل المجتمع الإسرائيلي ، لا بهدف العودة إلى مسارات تفاوضية أثبتت التجربة محدوديتها بل وفشل مسارها ، بل بهدف كسر حالة الجمود الراهنة وإعادة تعريف جوهر الصراع باعتباره قضية شعب يناضل من أجل الحرية والعدالة وتقرير المصير في مواجهة مشروع الأحتلال والأستعمار الاستيطاني بوضوح .

مبادرة تستند الى حقوقنا السياسية وسرديتنا التاريخية وإلى القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ، وتدعو المجتمع الدولي إلى الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها الحقيقية ، كما تتوجه إلى المجتمع الإسرائيلي برسالة واضحة مفادها أن الأمن والاستقرار والسلام لا يمكن أن يتحقق عبر القوة وحروب التطهير العرقي والتهجير والاستيطان والغطرسة ، بل من خلال الاعتراف بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني وإنهاء الأحتلال أولاً وتجسيد العدالة على أرض الواقع .

وفي هذا السياق ، فإن أي مبادرة سياسية جادة ينبغي أن تنفتح أيضاً على القوى اليهودية الديمقراطية المناهضة للاحتلال والعنصرية والحرب داخل المجتمع الإسرائيلي وحول العالم ، وأن تستثمر ما قد تتيحه الاستحقاقات السياسية المقبلة داخل إسرائيل من فرص لتعزيز الأصوات الداعية إلى السلام العادل والاعتراف بالدولة الفلسطينية . كما تكتسب أهمية خاصة دعم الجهود الرامية إلى توحيد صوت أبناء شعبنا في الداخل الفلسطيني وتعزيز حضورهم السياسي والوطني ، ودعم التوجهات الساعية إلى توحيد العمل الوطني والقوائم العربية في إطار "القائمة المشتركة" لانتخابات "الكنيست" القادمة ، بما يسهم في توحيد نضالهم في مواجهة اليمين المتطرف والدفاع عن قيم المساواة والعدالة والسلام .

إن نجاح المؤتمر الثامن لحركتنا "فتح" لن يقاس بما صدر عنه من بيان ختامي أو قرارات فحسب ، بل بقدرة القيادة المنتخبة على تحويل مخرجاته المفترضة إلى خطوات عملية تعيد الثقة في "فتح" والحركة الوطنية، وتفتح أفقاً سياسياً جديداً لشعبنا برؤية عقلانية ثورية .
فكما كان يُفترض بالمؤتمر أن يشكل محطة للمراجعة والتقييم والتجديد الشامل لمسيرة الحركة الوطنية وحركة "فتح" كعمود فقري لها ، لا أن يقتصر دوره على إعادة تشكيل الهيئات القيادية على أهمية ذلك ، فإن شعبنا وكوادر وقواعد حركتنا اليوم ينتظرون منكم الوقوف أمام مراجعة جادة ومسؤولة لتجربة السنوات الماضية ، واستخلاص الدروس والعبر منها، والاقتراب بشجاعة من الأسئلة الكبرى التي فرضتها التحولات العميقة التي شهدتها القضية الفلسطينية والمنطقة والعالم ، والتقدم ببرنامج وأدوات واضحة تستند الى ارادة سياسية .

إن المراجعة المطلوبة اليوم ليست غاية بحد ذاتها ، بل مدخل ضروري لصياغة استراتيجية وطنية أكثر قدرة على مواجهة التحولات الإقليمية والدولية ، وحماية مشروعنا الوطني التحرري من مخاطر التهميش أو الاحتواء أو إعادة إنتاج الواقع القائم بمسميات مختلفة . كما أنها تشكل أساساً ضرورياً لتجديد الفعل السياسي الوطني وعدم الاكتفاء بإدارة الأزمات أو التكيف معها ، بل العمل على تغيير موازينها قدر الإمكان بالوحدة الوطنية الواسعة وتمكين الصمود .
فالمرحلة الراهنة تحتاج إلى قيادة تمتلك القدرة على الجمع بين الصمود والمبادرة ، وبين التمسك بالثوابت الوطنية والانفتاح على الشعوب والقوى التقدمية والقوى الدولية الصاعدة في مواجهة الهيمنة الأمريكية ومشاريعها الجارية في المنطقة .
كما تتطلب اعتماد سياسات مقاومة أكثر فاعلية على المستويات السياسية والقانونية والشعبية والدبلوماسية ، تعزز مكانة القضية الفلسطينية على الساحة الدولية ، بما في ذلك مواصلة ملاحقة مجرمي الحرب أمام محكمة الجنايات الدولية، وإعادة توجيه الجهد الدولي المشترك لمنظمات الامم المتحدة والمحافل الإقليمية والعربية ، بما فيه المبادرة الفرنسية السعودية ، نحو الهدف الأساس المتمثل في الحرية والعدالة والأستقلال وإنهاء الأحتلال وتجسيد حقوق شعبنا الوطنية غير القابلة للتصرف ، انسجاماً مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية .

إن المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقكم اليوم تفرض الانتقال من ردود الفعل إلى الفعل السياسي المؤثر ، ومن انتظار المتغيرات إلى المساهمة في صناعتها ، بما يليق بتضحيات شعبنا من الشهداء والأسرى والجرحى والمهجرين ، وبالدور التاريخي الذي اضطلعت به حركة "فتح" في قيادة المشروع الوطني الفلسطيني باستقلالية القرار ، وبما يعيد الاعتبار لهذا المشروع باعتباره مشروع تحرر وطني يسعى إلى الحرية والعدالة والاستقلال .
مع الاحترام ، 
أخوكم ،
د. مروان إميل طوباسي ،
عضو المجلس الأستشاري لحركة " فتح " .

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد