شبكة راية الإعلامية - 6/3/2026 4:59:53 PM - GMT (+2 )
تغطية خاصة - راية
في وقتٍ تتآكل فيه المقومات الأساسية للحياة في قطاع غزة، يبرز انهيار منظومة العدالة كأحد أخطر التحديات التي تهدد السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي.
وفي حلقة جديدة من برنامج "قضايا في المواطنة"، الذي يبث عبر شبكة "رايــة" الإعلامية وتنتجه مؤسسة (REFORM)، ناقش خبراء ومسؤولون وحقوقيون المعضلة القانونية والإنسانية التي يواجهها الغزيون لحماية حقوقهم في ظل تعطل المؤسسات القضائية والعدلية، مستعرضين البدائل المتاحة وحدود فاعليتها.
شلل كامل في قطاع العدالة وضياع للمستندات
في مستهل الحلقة، قدّم المحامي محمود الحشاش، الباحث الميداني في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، تشخيصاً قاتماً لواقع المنظومة العدلية، مؤكداً أنها تشهد حالة غير مسبوقة من التعطل والضعف نتيجة الظروف المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023.
وأوضح الحشاش أن الأضرار لحقت بجميع المؤسسات الرسمية والأهلية الخاصة بقطاعات العدالة دون استثناء، مشيراً إلى تعطل المحاكم والنيابات وجهاز الشرطة، مما انعكس بشكل مباشر وخطير على قدرة المواطنين على الوصول إلى العدالة وانفاذ حقوقهم، سواء في القضايا المدنية، أو الأسرية، أو الجزائية.
ونبّه الحشاش إلى أن هذا الواقع فرض تحديات حقيقية تمس حماية الحقوق والحريات وسيادة القانون، لاسيما في ظل تدمير أغلب المرافق والمراكز وضياع معظم الملفات القضائية نتيحة الحرب المستمرة.
وأكد أن الهيئة المستقلة تبذل جهوداً حثيثة لرصد حالات الفلتان الأمني وانعكاساتها على السلم المجتمعي، فضلاً عن توثيق أثر غياب العدالة وغياب القطاعات الهامة التي تحمي الفئات الأكثر هشاشة كالأطفال والنساء وكبار السن، بهدف بناء قاعدة بيانات متكاملة لاستخدامها عند اللزوم.
صراع من أجل البقاء واللجوء إلى البدائل المجتمعية
من جانبه، شدد علاء عبيد، رئيس المنتدى الفلسطيني للنهضة السياسية والاجتماعية، على أن الأزمة الراهنة تتجاوز مجرد غياب القانون أو القضاة؛ إذ إن المجتمع الغزي انتقل من مرحلة "إدارة الحياة الطبيعية" إلى مرحلة "إدارة البقاء"، وهي قضية نفسية واجتماعية معقدة يجب على المؤسسات وضعها بعين الاعتبار.
وأشار عبيد إلى أن المواطن المنهك بات يركز جلّ اهتمامه على تأمين المأوى والغذاء والدواء، مشيراً إلى أن النزوح والازدحام الشديد وفقدان مقومات الحياة ولّدت ضغوطاً نفسية هائلة أدت إلى نشوب خلافات حادة، حتى داخل الأسرة الواحدة.
وأضاف عبيد أن غياب المنظومة الرسمية دفع المواطنين نحو السلوك الأوحد المتاح، وهو اللجوء إلى البدائل غير الرسمية والمجتمعية كاللجان الإشهارية، والمخاتير، والوجهاء، والمؤسسات الأهلية لحل نزاعاتهم وحفظ حقوقهم بالحد الأدنى.
ووصف عبيد "العدالة المجتمعية" في هذه المرحلة بأنها تنحصر في تنظيم عمليات الإغاثة بشكل عادل وتوفير احتياجات المواطن الملحة، داعياً إلى البحث عن العدالة في نفوس وعقول وثقافة الناس وليس في المباني التي قُصفت.
وأكد أن المجتمع الغزي بحاجة اليوم إلى تثقيف مكثف لإعادة الأمل والتعايش، بدلاً من التمسك بأدوات وإجراءات قانونية قديمة لم تعد قائمة على الأرض.
غياب الحماية القانونية يهدد الفئات الأكثر هشاشة
وفي سياق متصل، حذرت فاتن حرب، عضو بلدية دير البلح، من الصعوبات البالغة التي تواجهها الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع—لاسيما النساء، والأطفال، وكبار السن، والأرامل—في الوصول إلى العدالة التي تحميهم، نتيجة التدمير الكامل للمنظومة العدلية والمؤسسات القانونية.
وأوضحت حرب أن الأوضاع الراهنة ألقت بظلال ثقيلة على الحياة الاجتماعية، مما أدى إلى تصاعد النزاعات الأسرية والخلافات على الأراضي والقضايا المدنية، لافتة إلى أنها طالبت منذ بداية الحرب بوضع "قانون طارئ" نظراً لافتقار قطاع غزة إلى قوة تنفيذية على الأرض قادرة على إنفاذ القرارات القانونية.
واستعرضت حرب واقع مدينة دير البلح، مشيرة إلى أن المجلس البلدي المنتخب لعام 2026 يواجه أعباءً وتحديات مضاعفة نتيجة التجاوزات الناتجة عن التكدس الهائل للاخوة النازحين من مختلف مناطق القطاع، حيث تسعى البلدية جاهدة للوقوف على مسافة واحدة من الجميع وحل المشكلات المرتبطة بالخدمات العامة وتوثيق الاتفاقيات المجتمعية.
ورغم تثمينها للدور البارز للمخاتير ورجال الاصلاح كصمام أمان لمنع الاقتتال الداخلي وسد الفجوة، إلا أن حرب أكدت أن القضاء العشائري يظل إلزاماً أدبياً وأخلاقياً وليس بديلاً عن سيادة القانون وإعادة بناء النظام القضائي الفلسطيني بأسرع وقت ممكن.
تحركات حكومية لتعزيز الوسائل البديلة لحل النزاعات
أما على الصعيد الحكومي، فقد كشفت ميساء حمارشة، مدير عام الإدارة العامة للشؤون المهنية والوسائل البديلة في وزارة العدل، عن التدخلات التي قادتها الوزارة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه ومساعدة المواطنين على تجاوز الإشكاليات الطارئة الناجمة عن الحرب، مثل النزاعات على المياه، والمساعدات، والخيام، وضياع وثائق إثبات ملكية الأراضي.
وأوضحت حمارشة أن وزارة العدل شكلت فريقاً وطنياً بقيادة وزير العدل شرحبيل الزعيم يضم أربع لجان، أبرزها لجنة تعنى بتفعيل تخصصات "الوسائل البديلة" كالتحكيم والوساطة لحماية حقوق الناس والفئات المهمشة.
وأعلنت أن الوزارة نجحت في نقل جلّ برامجها وتدخلاتها من الضفة الغربية إلى قطاع غزة، حيث تم فتح منصة إلكترونية لاعتماد المحكمين بالتنسيق مع الغرف التجارية واتحاد الصناعات ونقابة المهندسين، مما أثمر عن اعتماد 21 محكماً عبر الاتحادات و14 محكماً رسمياً باشروا عملهم على الأرض لحل النزاعات العقارية والتأمينية والأسرية وفق القانون.
كما أشارت حمارشة إلى تفعيل الوساطة المجتمعية داخل مراكز الإيواء عبر وسطاء مجتمعيين مدربين للتعامل مع الخلافات اليومية والطارئة، مؤكدة وجود جهوزية كاملة لدى الفريق الوطني لتعديل التشريعات وقانون التحكيم بما يتلاءم مع الحالة القانونية السائدة في غزة.
خارطة طريق للمستقبل: تعزيز الصمود وإعادة بناء الثقة
وفي ختام الحلقة الإذاعية، أجمع المتحدثون على صياغة جملة من التوصيات الملحة لحماية السلم الأهلي وتعزيز صمود المواطنين:
حيث دعا المحامي محمود الحشاش إلى ضرورة التكاتف بين المجتمع المدني والجهات الرسمية والعشائرية، مطالباً بدعم منظومة العدالة، والتركيز على التوثيق الحقوقي والجنائي والبلدي لحفظ الحقوق، مع إعطاء مساحة أكبر للمخاتير في مسائل الصلح والوساطة، وتقديم الاستشارات عبر العيادات القانونية.
من جهتها، أوصت فاتن حرب—بصفتها أول امرأة مختارة في قطاع غزة تعمل في مجال الإصلاح—بضرورة تدريب الوسطاء المجتمعيين وفق مبادئ حقوق الإنسان، وإشراك النساء بشكل حقيقي في عملية صنع القرار وحل النزاعات كونهن الأكثر قدرة على فهم وعكس احتياجات المرأة مجتمعياً وسياسياً.
بينما أكد علاء عبيد أن الأولوية تكمن في إعادة بناء "اليقين والثقة" التي فقدها المواطن تجاه مختلف السلطات والمكونات، مطالباً بتركيز الدعم لصالح مؤسسات المجتمع المدني والبلديات والهيئات العشائرية ذات السمعة الطيبة والخبرة، وتوفير منظومة إعلامية متخصصة لإعادة تقريب وجهات النظر وترسيخ مفاهيم العدالة الاجتماعية.
واختتمت ميساء حمارشة بالحديث عن الخطط المستقبلية لوزارة العدل، مؤكدة مواصلة العمل على رفع ثقة المواطن بالوسائل البديلة، وإنشاء العيادات القانونية ومراكز التحكيم. وكشفت عن تنسيق جارٍ مع الجامعات لإطلاق دبلوم مهني متخصص في "الوسائل البديلة" لضمان إعداد كادرات مؤهلة تدعم السلم الأهلي وتصون حقوق المواطنين في قطاع غزة.
تجدر الإشارة إلى أن "قضايا في المواطنة" هو برنامج اجتماعي تُنتجه مؤسسة REFORM ويبث عبر شبكة راية الإعلامية؛ للإسهام في الوصول إلى نظام حكم إدماجي تعددي مستجيب لاحتياجات المواطنين ومستند إلى قيم المواطنة.
إقرأ المزيد


