وكالة سوا الاخبارية - 6/5/2026 8:35:27 AM - GMT (+2 )
بعد ما يقارب السنوات الثلاث من حرب طالت الحجر والبشر، وأكلت الأخضر واليابس، باتت غزة تعيش في أدق تفاصيل "متاهة الوجود". وسط الركام والنزوح وفقدان الأحلام، لم يعد النقاش في الشارع الغزي ترفاً سياسياً، بل أصبح بحثاً غريزياً عن طوق نجاة، أو مسار أوفر حظاً وأكثر حنواً لانتشال ما تبقى من أشلاء الحياة. وفي ظل حالة الانكفاء والإحباط من دور سلطة رام الله والمقيد بفعل الإجراءات الاسرائيلية، التي يراها الكثيرون عاجزة عن لعب دور "المنقذ" الفعلي أو مواكبة حجم الفاجعة، يبرز اسم محمد دحلان وتياره في صدارة التكهنات والسيناريوهات السياسية كبديل مرشح للعب دور محوري في قطاع غزة.
تحوّلت النظرة الشعبية لدحلان في بعض الأوساط إلى ما يشبه الرهان على "عصا سحرية" قادرة على فتح المعابر، وإعادة الإعمار، وتأمين تدفق السيولة والخدمات. هذا التصور لا ينبع بالضرورة من أيديولوجيا سياسية محضة، بل من واقعية مفرطة فرضتها الحاجة؛ فالناس في غزة يزنون المواقف بميزان القدرة على الفعل والإنجاز على الأرض. ومع تراجع الحضور التقليدي لمركزية حركة فتح التاريخية وصدمة الشارع من غياب الرؤية الموحدة لإنقاذ القطاع، برز تيار دحلان مستنداً إلى شبكة علاقاته الإقليمية وقدرته على المناورة الإغاثية والسياسية، مما جعله في عيون البعض خياراً واقعياً وسط هذه التعقيدات المعتمة.
ومع ذلك، فإن قراءة مشهد صعود دحلان، وخاصة مع بروز اسمه كرقماً صعباً في اجتماعات القاهرة المتعلقة بترتيبات "اليوم التالي" للحرب وانقاض التفاهمات لوقف الحب على غزة، لا يمكن عزلها عن حلبة الصراع والتنافس الإقليمي. إن غزة اليوم ليست مجرد بقعة جغرافية منسية، بل هي نقطة ارتكاز في إعادة تشكيل خريطة النفوذ الشرق أوسطي.
تاريخياً، اتسم المشهد الإقليمي بوجود محاور متنافسة: المحور القطري-التركي من جهة، والمحور الإماراتي-المصري من جهة أخرى. وفي حين شكلت الدوحة وأنقرة لسنوات طويلة شريان الدعم السياسي والمالي لتيارات بعينها في القطاع، فإن القاهرة وأبو ظبي تمتلكان اليوم أوراقاً استراتيجية لا يمكن تجاوُزها؛ فمصر هي البوابة الجغرافية والسياسية الشرعية الوحيدة لغزة، والإمارات تمتلك الرافعة المالية والسياسية والدبلوماسية القادرة على تمويل وإدارة مشاريع إعادة الإعمار الكبرى. هنا تبرز علاقة دحلان الوثيقة بهذا المحور كعامل حسم، حيث يُنظر إليه كجسر يربط بين المتطلبات الأمنية المصرية، والرؤية السياسية والتمويلية الإماراتية، مما يمنحه أفضلية نسبية في كواليس المفاوضات الإقليمية لترتيب مستقبل القطاع.
لكن الأسئلة الحقيقية التي تفرض نفسها في عمق هذه المتاهة: هل يملك أي قائد سياسي، أياً كان حجم نفوذه، "عصاً سحرية" حقيقية قادرة على حلحلة شروط الاحتلال الإسرائيلي المعقدة والمعيقة؟ وهل تستطيع المشاريع الإغاثية والتسويات الإقليمية، على أهميتها القصوى للحفاظ على البقاء، أن تلبي الطموح الوطني التحرري لقطاع غزة والكل الفلسطيني؟
إن غزة التي تنظر اليوم إلى المستقبل بعيون متعبة، تبحث بكل تأكيد عن المسار الأقل ألماً والأكثر قبولاً محلياً ودولياً لتجاوز نكبتها غير المسبوقة. وقد يكون دحلان أو تيار "الإصلاح الديمقراطي" فاعلاً رئيسياً في المرحلة الانتقالية بفضل أوراقه الإقليمية، إلا أن النضج المجتمعي والتنموي يذكرنا دائماً بأن "المنقذ الحقيقي" لغزة لن يكون فرداً يملك عصاً سحرية، بل مشروعاً وطنياً تكاملياً وشاملاً يعيد اللحمة بين غزة والضفة، ويؤسس لسيادة حقيقية تعيد للإنسان الفلسطيني كرامته وحقه في تقرير مصيره بعيداً عن حسابات المحاور وصراعات النفوذ.
جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية
إقرأ المزيد


