شبكة راية الإعلامية - 6/8/2026 5:55:19 PM - GMT (+2 )
في وقت تتسع فيه الفجوة بين الأجيال داخل البنية السياسية الفلسطينية، وتتزايد فيه مطالب الشباب بالحضور الفعلي في مواقع صنع القرار، شكّلت اللقاءات الحوارية التي جمعت المشاركين في برنامج "القادة الشباب – جيل جديد السادس" مع ممثلي الأحزاب والفصائل الفلسطينية مساحة نادرة للنقاش المباشر حول أحد أكثر الملفات حساسية في الحياة السياسية الفلسطينية: هل ما زال الشباب على هامش القرار السياسي، أم أن الأحزاب الفلسطينية بدأت بالفعل في إعادة تعريف علاقتها بالأجيال الجديدة؟
على مدار ثلاثة أيام من التدريب المكثف الذي تناول الأيديولوجيات السياسية، وتاريخ تشكّل الأحزاب الفلسطينية، ونشأة منظمة التحرير الفلسطينية وتطور دورها الوطني، انتقل المشاركون في اليوم الثالث من الإطار النظري إلى الحوار المباشر مع ممثلي ثمانية أحزاب وفصائل فلسطينية، في محاولة للإجابة عن سؤال جوهري: هل تؤمن القوى السياسية الفلسطينية بالشباب شركاءً في صناعة المستقبل، أم أنها ما تزال تنظر إليهم باعتبارهم أدوات للاستقطاب السياسي؟
وفي بداية اللقاء رحبت د. تمام خضر رئيسة مجلس الإدارة بقيادات الفصائل الفلسطينية والأحزاب مثمنة دورهم ومؤكدة على شراكة الطاقم الرئيسية والاستراتيجية مع الشباب والاستثمار في طاقاتهم، مؤكدة على أن الطاقم ائتلاف أطر نسوية نابعة من الأطر السياسية المنضوية تحت منظمة التحرير، ومشيرة للشراكة التاريخية مع مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية في بناء الأجيال الشابة لأكثر من عشر سنوات وفاتحة الحوار بأهمية دور الشباب وأحقيتهم في المشاركة والتمثيل وصناعة القرار.
ميسر الجلسة، د. رائد الدبعي، بدأ الحوار بهذا السؤال، واضعاً الأحزاب أمام اختبار عملي يتعلق بموقع الشباب داخل هياكلها التنظيمية، ومدى قدرتها على ترجمة خطاب التمكين إلى سياسات وإجراءات ملموسة.
حزب فدا: الشراكة لا الاستقطاب
قدّم الأستاذ إسلام نصر، ممثل حزب فدا، أحد أكثر المواقف وضوحاً فيما يتعلق بتمثيل الشباب، مؤكداً أن الحزب لا ينظر إلى الشباب باعتبارهم مجرد منفذين للأنشطة أو أدوات للتعبئة السياسية، بل شركاء حقيقيين في عملية البناء السياسي وصياغة السياسات العامة.
وأشار إلى أن النظام الداخلي للحزب يتضمن نسباً تمثيلية للشباب داخل الهيئات القيادية، بما في ذلك اللجنة المركزية والمكتب السياسي، معتبراً أن هذه الآليات تعكس قناعة تنظيمية راسخة بأهمية إشراك الشباب في اتخاذ القرار.
غير أن نصر لم يُخفِ وجود أزمة عزوف شبابي عن العمل الحزبي، مرجعاً ذلك إلى استمرار هيمنة القيادات التقليدية وعدم توفير مساحات كافية أمام الأجيال الجديدة للتأثير الحقيقي.
جبهة التحرير العربية: الديمقراطية تبدأ من الأسرة
من جانبه، قدّم الأستاذ سليم حمدان، ممثل جبهة التحرير العربية، مقاربة مختلفة، ركّزت على البعد الثقافي والاجتماعي للديمقراطية، معتبراً أن بناء القيادات الشابة لا يبدأ من صندوق الاقتراع، وإنما من الأسرة والمدرسة والجامعة.
وأكد أن إعداد الشباب للقيادة يتطلب بيئة ديمقراطية تسمح بالتدرج في المسؤوليات واكتساب الخبرة، مشيراً إلى أن الجبهة تولي اهتماماً خاصاً بالعمل الطلابي والنقابي بوصفه مدرسة لإعداد القيادات المستقبلية.
وفي معرض حديثه عن تعريف الشباب، رفض اعتماد معيار عمري جامد، مؤكداً أن القدرة على المبادرة والعطاء يجب أن تكون المحدد الأساسي للمشاركة.
حزب الشعب: نقد ذاتي ومطالبة بتجديد الشرعيات
في واحدة من أكثر المداخلات صراحة، أقر الدكتور وجيه أبو ظريفة، ممثل حزب الشعب الفلسطيني، بأن الحركة الوطنية الفلسطينية بمجملها أخفقت في استيعاب الشباب في مواقع القيادة الأولى.
وربط هذا الإخفاق بتراجع الممارسة الديمقراطية داخل الفصائل، وعدم انتظام عقد المؤتمرات الحزبية، ما أدى إلى تعطيل تداول المسؤوليات وإعاقة صعود قيادات شابة جديدة.
ورغم دعوته الشباب إلى الانخراط في الأحزاب والدفاع عن حقوقهم من داخلها، فإنه عبّر عن تحفظه تجاه تخصيص "كوتا" للشباب، مفضلاً أن يصلوا إلى مواقع القيادة عبر المنافسة الديمقراطية المفتوحة.
وفي رده على سؤال حول الأشخاص ذوي الإعاقة، أكد أن الحزب لا يضع أي عوائق أمام مشاركتهم الكاملة، داعياً إلى ترسيخ ثقافة أكثر شمولاً وإنصافاً.
الجبهة الديمقراطية: التنظيم الجماهيري بوابة التغيير
أما الرفيقة إلهام سامي، ممثلة الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، فقد شددت على أن الشباب يشكلون جزءاً أصيلاً من عملية التغيير السياسي والاجتماعي.
وأشارت إلى إطار "أشد" الشبابي، بوصفه مساحة جماهيرية مفتوحة لا تشترط الانتماء التنظيمي المباشر، وتهدف إلى تعزيز وعي الشباب وإشراكهم في القضايا الوطنية والمجتمعية.
وأكدت أن الجبهة تتيح للشباب المشاركة في المؤتمرات وانتخاب ممثليهم بصورة ديمقراطية، وأن تمثيل الشباب في المكتب السياسي واللجنة المركزية لا يأتي استجابة لضغوط الكوتا، بل انطلاقاً من قناعة تنظيمية بدورهم.
وفي ردها على الأسئلة المتعلقة بالبرنامج السياسي، أوضحت أن تبني البرنامج المرحلي لا يعني التخلي عن الحقوق الوطنية الفلسطينية، وإنما يمثل قراءة سياسية للواقع تستند إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967، مع ضمان حق العودة وتقرير المصير.
فتح: انتخابات المجلس الوطني بوابة لتجديد الحياة السياسية
في الجلسة الثانية، ركزت دلال سلامة، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، على أهمية انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني المقررة في تشرين الثاني/نوفمبر 2026 باعتبارها فرصة تاريخية لتعزيز مشاركة الشباب وتجديد الشرعيات الفلسطينية.
وأكدت أن خفض سن الترشح واعتماد التمثيل النسبي الكامل يفتحان المجال أمام مشاركة أوسع للشباب، مشيرة إلى أن المؤتمر الثامن لحركة فتح شهد إدماج مكونات جديدة، من بينها الشبيبة، وأسفر عن ارتفاع مستوى تمثيل النساء والشباب في الهيئات القيادية.
وأكدت سلامة على أهمية الحفاظ على كيانية فلسطينية جامعة للكل الفلسطيني، تواجه مخططات التفكيك الممنهجة بالمضمون النضالي لا بالخطاب فحسب. وأشارت إلى أن هذه المخططات تركز على استهداف أربعة محاور متشابكة في آنٍ واحد: تفكيك الشعب بزرع الانقسام، وتفكيك الأرض بتقطيع جغرافيتها، وتفكيك الكيان السياسي بزعزعة شرعيته، وتفكيك الوعي بطمس الهوية والذاكرة الجماعية. ورأت أن مواجهة هذه المخططات تستوجب إطاراً وطنياً جامعاً يستوعب الكل الفلسطيني ويحوّل هذه التحديات إلى روافع نضالية.
كما حذرت من محاولات استهداف وعي الشباب الفلسطيني، داعيةً إلى توظيف أدوات التواصل الحديثة في خدمة القضية الوطنية.
جبهة التحرير الفلسطينية: الشباب ركيزة النضال الوطني
بدوره، أكد حسين العابد، عضو المكتب السياسي لجبهة التحرير الفلسطينية، أن الشباب يشكلون ركيزة أساسية في مسيرة النضال الوطني، داعياً إلى تعزيز حضورهم في مختلف الأطر التنظيمية.
وربط مستقبل المشاركة الشبابية بقدرة الفلسطينيين على مواجهة تحديات الانقسام، والاستيطان، والحرب المستمرة على قطاع غزة.
جبهة النضال الشعبي: المصالحة شرط لتوسيع المشاركة
أما رزق نمورة، عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، فقد اعتبر أن استمرار الانقسام الفلسطيني يشكل العائق الأكبر أمام تطوير الحياة السياسية وتعزيز مشاركة الشباب.
وأكد أن إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية يمثلان المدخل الأساسي لتوسيع المشاركة الديمقراطية داخل المجتمع الفلسطيني.
كفاح المرأة: تجديد الشرعيات ضرورة وطنية
من جهتها، شددت ابتسام زيدان، عضو المكتب السياسي ومسؤولة اتحاد لجان كفاح المرأة، على أن تجديد الشرعيات الفلسطينية لم يعد ترفاً سياسياً، بل ضرورة وطنية لحماية المشروع الوطني.
ورحبت بإجراء انتخابات المجلس الوطني، داعية إلى تعزيز الحوار الوطني الفلسطيني وتوطينه كآلية دائمة لتعزيز الوحدة الوطنية.
بين الاعتراف بالأزمة والبحث عن حلول
تكشف المواقف التي طُرحت خلال الجلسات الحوارية عن وجود إدراك متزايد داخل القوى السياسية الفلسطينية لأزمة تمثيل الشباب، إلا أن هذا الإدراك لا ينعكس بالدرجة ذاتها على مستوى السياسات والممارسات.
فبينما تحدثت بعض الأحزاب عن وجود نسب تمثيلية وآليات تنظيمية واضحة، ذهبت أخرى إلى التركيز على بناء الوعي الوطني والتدرج التنظيمي، في حين قدمت بعض القيادات مراجعات نقدية صريحة لتجربة الحركة الوطنية الفلسطينية في هذا المجال.
وبرزت ثلاثة محاور رئيسية بوصفها محددات لمستقبل مشاركة الشباب: أولها تجديد الشرعيات عبر الانتخابات الدورية، وثانيها إصلاح البنى التنظيمية الداخلية للأحزاب، وثالثها إنهاء الانقسام الفلسطيني باعتباره شرطاً ضرورياً لاستعادة الثقة بالحياة السياسية.
كما أظهرت النقاشات أن الشباب الفلسطيني لا يطالب بمجرد التمثيل الرمزي أو "الكوتا"، بل يسعى إلى شراكة فعلية في صياغة السياسات الوطنية، والمشاركة في تحديد أولويات المرحلة المقبلة.
وفي المقابل، يبدو أن الأحزاب الفلسطينية باتت أمام اختبار حقيقي: فإما أن تترجم خطاب التمكين إلى ممارسات تنظيمية تفتح المجال أمام تداول الأجيال، أو أن تستمر الفجوة بين الشباب والمؤسسات السياسية في الاتساع.
لقد حملت جلسات "جيل جديد السادس" رسالة واضحة مفادها أن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني لن يُبنى من دون الشباب، وأن حماية المشروع الوطني الفلسطيني تتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الأجيال على أساس الشراكة، والثقة، والتمثيل العادل.
وبينما تتجه الأنظار إلى الاستحقاقات السياسية المقبلة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستتحول الدعوات المتكررة لإشراك الشباب إلى واقع ملموس، أم ستبقى حبيسة الخطابات والبرامج النظرية؟
الإجابة لن تحدد فقط شكل المشاركة السياسية للشباب الفلسطيني، بل ربما ترسم أيضاً ملامح المرحلة المقبلة من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية.
إقرأ المزيد


