إسرائيل حين يتردد السياسي... يتقدم الجيش
وكالة سوا الاخبارية -
2026/06/10

تكشف التقارير الإسرائيلية الأخيرة حول غزة ولبنان عن ظاهرة تستحق التوقف عندها، ليس فقط لفهم مسار الحرب الحالية، بل لفهم طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية في إسرائيل. فبينما يبدو للوهلة الأولى أن الحديث يدور عن جبهتين مختلفتين وظروف ميدانية متباينة، فإن قراءة متأنية للتسريبات والتقديرات الصادرة عن الجيش الإسرائيلي تظهر وجود نمط تفكير واحد يحكم المؤسسة العسكرية في كلتا الساحتين.

ففي التقرير الذي نشرته صحيفة “هآرتس” حول لبنان وإيران، عبّر مسؤولون عسكريون كبار عن قلقهم من قرار وقف إطلاق النار، واعتبروا أن التريث السياسي يمنح إيران فرصة لفرض معادلة “ربط الساحات”، ويقيد حرية العمل العسكري الإسرائيلي مستقبلاً. ووفقاً للتقرير، لم يكتف الجيش بعرض تقديراته الأمنية، بل دفع باتجاه توسيع العمليات العسكرية ضد إيران وحزب الله، محذراً من أن أي تراجع أو توقف قد يؤدي إلى تآكل الردع وإضعاف قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها الاستراتيجية.

في الوقت نفسه، كشفت تقارير أخرى حول غزة، من بينها ما نُسب إلى قائد المنطقة الجنوبية، أن المؤسسة العسكرية لا ترى أن أهداف الحرب قد استنفدت بعد. فبدلاً من الحديث عن إنهاء الحرب أو الانتقال إلى مرحلة سياسية، يتركز النقاش داخل الجيش على كيفية مواصلة الضغط على حركة حماس ، سواء من خلال العمليات العسكرية أو عبر أدوات الحصار والخنق الاقتصادي والتحكم بالمساعدات الإنسانية، وحتى إعادة إحياء نماذج مثل “الجزر الإنسانية” وآليات التوزيع البديلة التي جرى الترويج لها خلال مراحل سابقة من الحرب.

ما يجمع بين الحالتين هو أن الجيش لا يتصرف بوصفه جهازاً تنفيذياً يطبق قرارات الحكومة فحسب، بل كطرف فاعل في صياغة السياسة نفسها. فعندما يتعرض المستوى السياسي لضغوط دولية أو داخلية تدفعه نحو التهدئة أو التسوية، تتقدم المؤسسة العسكرية لعرض رؤية مختلفة تقوم على ضرورة استكمال الحرب ومواصلة الضغط وعدم التراجع عن الأهداف المعلنة.

هذه الظاهرة ليست جديدة في إسرائيل. فمنذ تأسيس دولة الاحتلال احتل الجيش مكانة مركزية في الحياة السياسية وصناعة القرار. ولم يكن دوره مقتصراً على تنفيذ الأهداف التي يضعها السياسيون، بل شارك في أحيان كثيرة في تحديد تلك الأهداف وصياغة التصورات الاستراتيجية التي حكمت سياسات الحكومات المتعاقبة. وقد ظهر ذلك في حروب مفصلية شهدتها إسرائيل، حيث لعب كبار الجنرالات دوراً مؤثراً في تحديد اتجاهات السياسة الأمنية والعسكرية.

وقد تناول الباحث المتخصص في مثلث العلاقات الجيش – المجتمع – السياسة، البروفسور ياغيل ليفي هذه العلاقة المعقدة بين الجيش والسياسة، مشيراً إلى أن المؤسسة العسكرية تمتلك هامشاً واسعاً من الاستقلالية والتأثير، وأنها لا تتردد أحياناً في معارضة أو الضغط على القيادة السياسية عندما ترى أن قراراتها لا تخدم ما تعتبره مصالح استراتيجية للدولة أو للمؤسسة العسكرية نفسها. كما أثار أكاديميون وكتّاب إسرائيليون آخرون، من بينهم أستاذ اللسانيات الإسرائيلي، البروفسور عيدان لاندو، انتقادات متكررة للدور المتعاظم للمؤسسة العسكرية في توجيه القرار السياسي، محذرين من تحول الاعتبارات الأمنية والعسكرية إلى إطار مهيمن على عملية صنع السياسات في اسرائيل.

ومن هذا المنظور، تبدو الحرب الحالية مثالاً واضحاً على هذا التداخل. فالتقارير الصادرة عن الجيش لا تعكس فقط تقديرات مهنية أو مخاوف أمنية، بل تحمل في طياتها موقفاً سياسياً يتعلق بمستقبل الحرب وأهدافها. فعندما يحذر الجيش من وقف العمليات في لبنان، أو يدعو إلى استمرار الضغط على غزة عبر الحصار والتحكم بالمساعدات، فإنه لا يناقش الوسائل العسكرية فقط، بل يحدد أيضاً ما ينبغي أن تكون عليه السياسة الإسرائيلية في المرحلة المقبلة.

الأهم من ذلك أن هذه التقارير تشير إلى أن المؤسسة العسكرية، رغم مرور سنوات الحرب وما رافقها من استنزاف وضغوط دولية وانتقادات متزايدة، لا تبدو في حالة مراجعة للأهداف التي وضعت منذ البداية، بل في حالة بحث عن أدوات جديدة لتحقيقها. فبدلاً من إعادة النظر في جدوى الحرب أو حدود القوة العسكرية، يدور النقاش حول كيفية مواصلة الضغط وتطوير أدواته وتوسيع مجالاته.

لذلك قد يكون من الأدق القول إن الخلاف داخل إسرائيل لا يدور حول أهداف الحرب بقدر ما يدور حول الوسائل والتوقيت. أما الأهداف الأساسية المتعلقة بإضعاف حماس، وإعادة تشكيل الواقع الأمني والسياسي في غزة، والحفاظ على حرية العمل العسكري في الإقليم، فما زالت تحظى بدعم واسع داخل المؤسسة العسكرية، بل ربما تبدو أكثر رسوخاً فيها مما هي عليه داخل بعض أوساط القيادة السياسية.

فحين يتردد السياسي أو يتعرض لضغوط تدفعه نحو التسوية، لا يتراجع الجيش إلى موقع المنفذ المحايد، بل يتقدم إلى الواجهة باعتباره شريكاً في رسم السياسة وتحديد مسار الحرب. وربما لهذا السبب لا تزال المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بعد كل ما جرى منذ السابع من أكتوبر، تتحدث بلغة استكمال الأهداف أكثر مما تتحدث بلغة إنهاء الحرب. فبينما ينشغل السياسي بحسابات الضغوط الداخلية والخارجية والتحالفات والتسويات، يواصل الجنرال التفكير بمنطق الحرب المفتوحة، والبحث عن أدوات جديدة لتحقيق الأهداف ذاتها، سواء بالقوة العسكرية أو بالحصار والخنق وإعادة هندسة الواقع في غزة والمنطقة. ولعل هذا ما يجعل عنوان المشهد الإسرائيلي اليوم أقرب إلى حقيقة راسخة: حين يتردد السياسي، يتقدم الحيش.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد