بين الأجيال السابقة وجيل المؤثرين: رحلة في الثبات أم الخضوع للإنحدار..
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: فارس صقر

ما نعيشه اليوم لم يتشكل بين ليلة وضحاها، بل رُسمت ملامحه قبل ربع قرن من الزمن، وربما أدرك البعض ذلك مبكراً، بينما آثر آخرون تجاهله. وأذكر هنا قول أحدهم في إحدى الجلسات: "ماذا نأكل لنكون مخدَّرين إلى هذه الدرجة، ولو فش حرارة؟". وعند التأمل في مختلف جوانب الحياة؛ الدينية والأخلاقية والسياسية والوطنية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والعلمية والأكاديمية، يبدو وكأننا أمام حالة من الإنحدار المستمر في كثير من المفاهيم وكأنها بدون قاع أو بدون نهاية للهاوية.

ولكي نكون أكثر واقعية، يكفي أن ننظر إلى مسار الحياة منذ بداية الألفية الجديدة عام 2000. فمن جهة، شهد العالم تطوراً تكنولوجياً متسارعاً وغير مسبوق، ومن جهة أخرى رافق ذلك إنهيار وتحولات عميقة مستمرة مست منظومة القيم والعادات والتقاليد وأنماط العلاقات الاجتماعية والسلوكيات اليومية.

وإذا كنت من مواليد الثمانينيات أو التسعينيات، فإنك تنتمي إلى جيل شهد الانتقال بين عالمين مختلفين؛ عالم ما قبل الثورة الرقمية، وعالم التكنولوجيا المتسارعة. لذلك يدرك أبناء هذا الجيل حجم التغيرات التي طرأت على المجتمع بصورة أوضح من غيرهم.

فالأجيال المختلفة تشكلت في ظل بيئات تقنية متباينة، الأمر الذي ساهم في تشكيل سلوكياته وطريقة تفاعله.

فجيل "زد" (مواليد 1997 – 2012) نشأ في قلب الثورة الرقمية، وأصبح التواصل عبر المنصات الإلكترونية وتطبيقات المراسلة جزءاً أساسياً من حياته اليومية. أما جيل الألفية (مواليد 1981 – 1996) فقد عاصر التحول الرقمي وتكيف معه، مع احتفاظه بقيمة التواصل الإنساني المباشر. في حين يُنظر إلى جيل "إكس" (مواليد 1965 – 1980) باعتباره حلقة وصل بين العالم التقليدي والعالم الرقمي. أما جيل الطفرة السكانية (مواليد 1946 – 1964) فما زال يميل إلى أنماط التواصل التقليدية ويولي أهمية كبيرة للاستقرار والموثوقية.

وفي السنوات الأخيرة، ازداد الحديث عن جيل التسعينيات والحنين إلى طفولته ومراهقته، حيث كانت الحياة أبسط وأقل تعقيداً مقارنة بما نعيشه اليوم. ومن هنا ظهر ما بات يُعرف بـ"متلازمة جيل التسعينيات"، وهو مصطلح يشير إلى مجموعة من المشاعر والتجارب الثقافية المشتركة (الألعاب، البرامج التلفزيونية، الموسيقى، الأفلام، العلاقات الاجتماعية والتجمعات العائلية التي اتسمت بالدفء والبساطة). بين الأشخاص الذين نشأوا خلال فترة التسعينات، والتي صار أصغر مواليدها من الرجال والنساء شباباً تخطوا حاجز الثلاثين من العمر.

وفي المقابل، فرض العصر الرقمي واقعاً جديداً غيّر كثيراً من المفاهيم السائدة، وهنالك جيل لا يُعطي اهتماماً لما قبله، وعلى سبيل المثال المهن التي كانت تُعد رمزاً للنجاح الاجتماعي في الماضي، لم تعد الخيار الوحيد أو المعيار الأوحد للنجاح. فقد فتحت التكنولوجيا آفاقاً جديدة أمام الأجيال اللاحقة، وأوجدت مجالات عمل لم تكن موجودة من قبل.

ووفقاً لدراسة نشرها موقع "PARENTS" أصبحت اليوم تسيطر على ما يفوق الـ 50% من مواليد بين عامي 1997 و2012 والمعروف بالجيل "زد" الرغبة في العمل في مجال صناعة المحتوى، وهو ما يعرف بـ "المؤثرين"، ولم يعد غريباً أن نرى أطفالاً يبلغون من العمر 14 عاماً يتابعهم الملايين ولديهم حسابات موثقة تدر عليهم إيرادات بمئات الآلاف من الدولارات، وقد أدى ذلك إلى إحداث تغييرات جوهرية في عدد من المفاهيم، وأصبح السعي نحو الشهرة والتأثير عبر المنصات الرقمية هدفاً مشروعاً لدى كثيرين.

ويمكننا القول، إن التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة لم تقتصر على التكنولوجيا وحدها، بل امتدت إلى منظومة القيم والسلوكيات وأنماط الحياة. وقد يرى البعض أن كثيراً من الأعراف والتقاليد تراجعت أو تغيرت في سبيل تحقيق أهداف جديدة فرضها العصر، بينما يرى آخرون أن ما يحدث ليس انهياراً للقيم بقدر ما هو إعادة تشكيل لها بما يتناسب مع متطلبات زمن مختلف. وبين هذا الرأي وذاك، يبقى المؤكد أننا نعيش مرحلة تاريخية استثنائية ستظهر آثارها الحقيقية بصورة أوضح مع مرور الوقت.

وخلاصة القول من وجهة نظري، بأن الجيل الحالي وبعضاً من الأجيال السابقة ولا ضير في التعميم ألغوا الكثير من القوانين والأعراف والتقاليد في سبيل الوصول إلى غايتهم، وكُلي يقين بأنهم سيدفعون ثمن ذلك مع تقدمهم في العمر.

وفي النهاية بات واضحاً أن ما يلفت الانتباه: بأن هل المشكلة في التكنولوجيا نفسها أم في طريقة استخدامها؟ فالتكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة للمعرفة والتواصل والإنتاج، ويمكن أن تتحول إلى أداة للعزلة أو الاستهلاك المفرط أو السعي وراء الشهرة السطحية.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد