شبكة قدس الإخبارية - 6/11/2026 4:15:38 PM - GMT (+2 )
متابعة - شبكة قُدس: لم تعد الحروب الحديثة تُحسم بالتفوق العسكري التقليدي وحده، كما لم تعد القوى الكبرى قادرة على فرض إرادتها بسهولة كما كان يُعتقد لعقود، فمع تصاعد دور التكنولوجيا العسكرية منخفضة الكلفة، من المسيّرات إلى الصواريخ الدقيقة، برزت تحديات جديدة حدّت من قدرة الجيوش الأقوى في العالم على تحقيق انتصارات حاسمة أو إسقاط الأنظمة بالقوة.
وفي هذا السياق، تكشف تداعيات الحرب مع إيران، إلى جانب الحرب في أوكرانيا وصراعات أخرى، عن واقع دولي جديد أعاد رسم حدود القوة العسكرية، وأظهر أن الدول المتوسطة والأطراف الأضعف باتت تمتلك أدوات قادرة على استنزاف وإرباك القوى العظمى ومنعها من تحقيق أهدافها الاستراتيجية بسهولة.
ونشرت صحيفة "وول ستريت جورنال" مقالاً للصحفي ياروسلاف تروفيموف قال فيه إن تطور التكنولوجيا التي تُساوي بين الدول القوية والضعيفة جعل حروب الغزو التقليدية صعبة، وربما غير ممكنة بعد الآن، كما أنها كشفت أن القوى العظمى لا تملك القوة التي كانت تظنها.
وبعد توليه منصبه العام الماضي، روّج الرئيس ترامب، دون تردد، لرؤية تقوم على مبدأ "القوة هي الحق" لإعادة تشكيل النظام الدولي حول منطقة نفوذ أمريكية، وهي رؤية لا تختلف كثيراً عن رؤية روسيا أو الصين.
وبدا المستقبل وكأنه مُصاغٌ وفقاً لمقولة شهيرة للمؤرخ اليوناني القديم ثوسيديدس: "الأقوياء يفعلون ما يشاؤون، والضعفاء يعانون كما يجب عليهم".
واليوم، على ما يبدو الآن أن الضعفاء ليسوا بالضعف الذي اعتقده الكثيرون؛ فالأقوياء أيضاً لا يستطيعون فعل ما يحلو لهم.
وعلى الرغم من إنفاق الجيش الأمريكي جزءاً كبيراً من ذخائره بعيدة المدى وقتله عدداً كبيراً من القيادة الإيرانية، إلا أنه لم يتمكن من تحقيق نصر استراتيجي على قوة متوسطة كإيران، ولا تزال طهران تغلق مضيق هرمز، ولا يزال نظامها الثيوقراطي محكماً، ويحتفظ بقدرته على إطلاق الصواريخ على "إسرائيل" ودول الخليج، كما حدث في آخر تبادل لإطلاق الصواريخ هذا الأسبوع.
وكذلك أوكرانيا لم تنهَر، وفق الكاتب، رغم قطع ترامب المساعدات الأمريكية قبل أكثر من عام، وضغطه دبلوماسياً على كييف للتنازل عن منطقة دونيتسك الشرقية، كجزء من اتفاقه مع روسيا في قمة ألاسكا في آب/ أغسطس.
ورغم ذلك، تمكنت أوكرانيا من قلب موازين الحرب ضد روسيا، مسيطرةً على خط المواجهة وموجهةً ضربات متزايدة الألم إلى قلب الأراضي الروسية.
وأظهرت هذه التطورات كيف ساهمت التطورات التكنولوجية، كالمسيّرات والصواريخ الدقيقة الأرخص ثمناً، في تقريب موازين القوى بين الدول الصغيرة والقوى العظمى التي تنفق مئات المليارات من الدولارات على جيوشها.
وأشارت وزيرة الخارجية اللاتفية، بايبا برازي، إلى أن "أوكرانيا تتمتع بوضع أكثر صلابة بفضل تفوقها التكنولوجي".
وقد حدَّ هذا التضييق في فجوة القوى عالمياً مما يمكن أن تحققه القوة العسكرية وحدها. وتراقب الصين هذه التوجهات عن كثب وهي تدرس إمكانية ضم تايوان، أو ما إذا كان ينبغي لها ذلك.
ويرى أنه تختلف الصراعات الدائرة في أنحاء العالم في جوانب عديدة؛ ومع ذلك، تحمل كل هذه الحروب درساً واحداً، كما صرّح وزير الدفاع الإيطالي غيدو كروسيتو في مقابلة، قال: "إن نوع الحرب الذي اعتدنا عليه، ونوع الحرب التي كانت روسيا تُخطط لها في أوكرانيا - غزو واحتلال دولة - لم يعد وارداً".
ووفق الكاتب، فإن غزو دولة عندما يكون مواطنوها مستعدين للقتال أمر مستحيل حتى في ظل تفاوت في القوة، كما كان الحال بين روسيا وأوكرانيا، أو حتى بين الولايات المتحدة وإيران. الأمر صعب حتى على "إسرائيل"، التي لم تُحقق نجاحاً يُذكر ضد حماس في مدينة واحدة تقريباً.
وأقرَّ الجنرال أونو إيشيلشيم، رئيس أركان الدفاع الهولندي، بأن تغيير الأنظمة - وهو هدف روسيا في أوكرانيا، وهدف أمريكا في إيران مبدئياً على الأقل - لم يعد ممكناً تحقيقه بالقوة العسكرية وحدها في العالم المعاصر.
وقال ميرشايمر: "يكاد يكون من المستحيل غزو مثل هذه الدول بكل الإمكانيات المتاحة، سواء أكانت الولايات المتحدة ضد إيران أو روسيا ضد أوكرانيا". و"إذا لم يتحقق النجاح خلال الأسبوعين الأولين، فسينتهي الأمر إلى طريق مسدود يصعب اختراقه. إذا أردت تحقيق شيء ما، فعليك تحقيقه بسرعة فائقة".
ويقول: حدود قدرات القوى العظمى ليست بجديدة. فقد مُنيت كل من واشنطن وموسكو بهزائم في حروب خارجية سابقة. واضطرت أمريكا للانسحاب من فيتنام، وهُزمت كلتاهما في أفغانستان في نهاية المطاف. أما سجل الولايات المتحدة في احتلال العراق فهو مختلط في أحسن الأحوال. مع ذلك، في تلك الحالات، اضطرت القوى العظمى للتخلي عن الحرب بسبب حركات التمرد المطولة والمؤلمة التي أعقبت انتصارات عسكرية تقليدية، والتي أدت في نهاية المطاف إلى تراجع الدعم الشعبي للحرب.
لكن الوضع تغير الآن، فقد عجزت الدبابات الروسية عن الوصول إلى كييف لأكثر من سنتين من الحرب، وتوقفت التقدمات الروسية في ساحة المعركة بشكل شبه كامل، بل إن الولايات المتحدة لم تُقدم حتى على عمليات برية في إيران، لعلمها التام بحجم الخسائر الأمريكية التي ستتكبدها.
ومع ثورة حرب المسيّرات التي أشعلها الصراع بين روسيا وأوكرانيا، وقدرة إيران على تطوير ترسانة ضخمة من الصواريخ الباليستية الدقيقة وبعيدة المدى، تضاءلت جزئياً الميزة الهائلة للجيش الأمريكي في القوة الجوية والاستخبارات والاستطلاع.
وقد جعل هذا من المستحيل تصور هجوم عسكري تقليدي مدرع على طهران، على غرار الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
أما الإطاحة السريعة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في كانون الثاني/يناير - والتي بدت آنذاك وكأنها نذير لما سيأتي، مُشعلةً شهية ترامب لغرينلاند وإيران - فتبدو الآن استثناءً نادراً لا نذيراً لممارسة القوة الأمريكية مستقبلاً.
وتولي الصين اهتماماً بالغاً لكل هذا، والدرس الأهم الذي يجب على الصين استخلاصه هو دعوة الخبراء الروس لتبادل خبراتهم في مجال حرب المسيّرات الحديثة: "الصين هي أكبر منتج للمسيّرات، لكننا لا نعرف كيفية استخدامها عسكرياً بشكل فعلي".
وقال الأكاديمي السنغافوري بيلاري كاوسيكان، الذي شغل منصب سفير سنغافورة لدى الأمم المتحدة، إن عبارة ثوسيديدس، التي لطالما كانت من بديهيات ما يُسمى بالمدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، ما هي إلا تعبير عن استسلام ساذج، وليست دليلاً على واقع العالم الأكثر تعقيداً.
وأضاف ساخراً: "لو كانت هذه العبارة صحيحة، لابتُلعت دول صغيرة مثل سنغافورة من قبل جيرانها منذ زمن بعيد".
إقرأ المزيد


