شبكة راية الإعلامية - 6/12/2026 3:54:25 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. محمد عودة
تتسع في المشهد الفلسطيني اليوم مساحة غير مرئية لكنها شديدة التأثير، مساحة تتشكل بين ما يُتخذ من قرارات في دوائر ضيقة، وبين ما يصل إلى المواطن في حياته اليومية من نتائج هذه القرارات، حيث يبدو الفاصل بين الطرفين أكبر من مجرد فجوة إجرائية، ليقترب من كونه فجوة في المعرفة وفي الفهم وفي القدرة على الإحاطة بما يجري.
وفي هذه المساحة تحديدًا تتولد حالة من الضبابية لا تتعلق فقط بتعقيد الواقع الموضوعي الناتج عن الاحتلال والحصار وتغير موازين القوى، بل أيضًا بطريقة إدارة الشأن الداخلي، وآليات صنع القرار، وحدود المشاركة في صياغته، ومدى انفتاح المؤسسات على الكفاءات والطاقات المختلفة داخل المجتمع.
ومع مرور الوقت، لا يعود السؤال مرتبطًا فقط بماهية القرارات أو اتجاهاتها، بل بكيفية إنتاجها، ومن يشارك في صناعتها، وكيف تُقدَّم للناس، ولماذا يشعر المواطن في كثير من الأحيان أنه يتعامل مع نتائج جاهزة أكثر مما يتعامل مع عملية يمكن أن يفهمها أو يشارك في تشكيلها.
تعقيبًا على حجم اللغط الذي رافق الإعداد للمؤتمر العام الثامن لحركة فتح، ومن ثم انعقاده، وما أثاره ذلك من نقاشات حول آليات التحضير وتركيبة اللجان، وحول تغليب الجانب الانتخابي على النقاش السياسي، في مرحلة يفترض أنها كانت محطة مراجعة شاملة لمسار طويل من التحديات والإنجازات والإخفاقات، كان لا بد من التوقف أمام الصورة الأوسع، لا مجرد التفاصيل الإجرائية.
غير أن الإشكال لا يقف عند حدود مؤتمر أو آلية إعداد، بل يمتد إلى بنية النظام السياسي برمته، وإلى طريقة إدارة الشأن العام، فلا يبدو منطقياً في واقع تحت الاحتلال، وفي ظل أزمات متراكمة، أن تبقى المناصب محصورة في دائرة ضيقة من الأشخاص، يتم تدويرهم بين المواقع المختلفة، وكأننا أمام إعادة إنتاج للمواقع أكثر من كونها إعادة إنتاج للأفكار أو السياسات، ومع هذا النمط تتراجع فرص صعود كفاءات جديدة، وتُهمَّش طاقات واسعة، ويُخلق تدريجياً شعور بالإقصاء، قد يتحول مع الوقت إلى حالة من الإحباط أو السخط أو الانكفاء.
وفي هذا السياق، فإن استمرار نمط تكرار الدائرة نفسها من الكوادر في مواقع متعددة، وتكليفها المتكرر بمهام مختلفة ومتداخلة، لا يعود مسألة تنظيمية عابرة، بل يتحول إلى ظاهرة تُضعف فرص التجديد وتحدّ من انفتاح المؤسسات على طاقات جديدة، فالمشكلة هنا ليست في الأشخاص بحد ذاتهم، بل في آلية إدارة المواقع والمهام، حيث يتم تدوير نفس الدائرة من الكفاءات بين مواقع متعددة، بما يحرم طيفاً واسعاً من الكوادر الأخرى من فرصة المشاركة الفعلية، ويؤدي مع الوقت إلى إعادة إنتاج نفس البنية التنظيمية مهما تغيّرت العناوين أو المراحل
وفي السياق ذاته، فإن هذا النمط لا ينعكس فقط على طبيعة المشاركة، بل على طبيعة النتائج نفسها، إذ إن محدودية دوائر الاختيار تؤدي بالضرورة إلى محدودية في تنوع الرؤى واتساع الخيارات المطروحة
إن استمرار الاعتماد على الأدوات ذاتها والآليات نفسها في إدارة الشأن العام، وتكرار التجارب بالصيغة ذاتها رغم ما أظهرته من محدودية في تحقيق الأهداف المرجوة، يجعل من مسألة التقييم الجاد ضرورة لا يمكن تجاوزها، لأن الإصرار على استخدام الأسلوب نفسه في ظروف متغيرة لا يؤدي غالبًا إلى نتائج مختلفة، بل يعيد إنتاج الإخفاق بصيغ متعددة، ويكرّس حالة الجمود بدل فتح أفق للتجديد.
ومن هنا يصبح الحديث عن تغيير المنهج، لا مجرد تعديل في التفاصيل أو الأشخاص، بل انتقالًا في طريقة التفكير نفسها، وفي فهم أدوات الإدارة السياسية والتنظيمية، بما يتيح إعادة بناء العلاقة بين الفعل والنتيجة على أسس أكثر واقعية وفاعلية.
ولا يقتصر الأمر على إعادة النظر في الأدوات والآليات فحسب، بل يمتد بالضرورة إلى البرامج والسياسات ذاتها، لأن البرامج التي تُبنى في سياقات ضيقة أو عبر دوائر محدودة من المشاركة غالبًا ما تعكس رؤية تلك الدوائر أكثر مما تعكس احتياجات المجتمع، ومع تغيّر الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي يصبح من الطبيعي أن تخضع هذه البرامج لإعادة تقييم جادة، لا من حيث الشكل أو الشعارات، بل من حيث قدرتها الفعلية على الاستجابة للتحديات وإنتاج حلول قابلة للتطبيق.
اما المواطن فلم يعد اليوم ينشغل فقط بسؤال التعيينات أو المؤتمرات، بل أصبح يطرح أسئلة أعمق بكثير تمس جوهر حياته ومستقبله، فهو يسأل: ما هي الخطة الوطنية للخروج من الأزمة الراهنة؟ كيف تُتخذ القرارات الكبرى التي تمس حياته اليومية؟ من يشارك في صياغة هذه القرارات، ومن يملك حق تعديلها أو الاعتراض عليها؟ من يحاسب المقصر، وكيف تُمارس هذه المحاسبة فعلياً على الأرض؟ لماذا يشعر أن الأعباء الاقتصادية والمعيشية تقع عليه وحده، بينما لا توزع بنفس العدالة على مراكز النفوذ والقرار؟ لماذا تتراجع الثقة بين الشارع والمؤسسات رغم كثرة الخطابات والتصريحات؟ أين تذهب الأولويات الوطنية في ظل الحرب والتجويع والاستيطان والانهيار الاقتصادي المتسارع؟ ولماذا تصل المعلومات إلى المواطن متأخرة أو مجتزأة أو غامضة، في حين أن قرارات مصيرية تُتخذ باسمه؟
هذه الأسئلة ليست ترفاً ولا اعتراضاً عابراً، بل هي تعبير مباشر عن حاجة يومية لفهم ما يجري، في ظل شعور متزايد بأن المواطن يُطلب منه الصبر والتضحية دون أن يُطلب منه أن يفهم الصورة الكاملة. وفي قلب هذا الشعور تتشكل فجوة حقيقية بين المواطن وصاحب القرار، فجوة لا يمكن تجاوزها إلا بإعادة الاعتبار للشفافية والوضوح والمساءلة
وإذا كان لا بد من الإشارة أيضاً إلى أن هذه الإشكالات، رغم أنها تبدو في جانب منها مرتبطة بالبنية الداخلية وطريقة إدارة القرار، إلا أنها لا تنفصل عن الظروف المحيطة المعقدة التي يعيشها الواقع الفلسطيني، من احتلال واستيطان وحصار وتراجع في المساندة الدولية وتغير في موازين القوى. هذه العوامل جميعها تفرض قيوداً ثقيلة على أي عملية سياسية أو إدارية.
لكن إدراك ثقل الظرف الموضوعي لا يلغي حقيقة أن طريقة إدارة الداخل، ومدى الشفافية في القرار، وآليات المشاركة والمساءلة، تبقى عوامل حاسمة في تخفيف أثر هذا الظرف أو تضخيمه. فكلما كانت البنية الداخلية أكثر وضوحاً وعدالة وتشاركية، كلما تقلص أثر الضغط الخارجي، والعكس صحيح.
وإذا كان لا بد من تلخيص جوهر هذه المعادلة، فيمكن القول إن المواطن الفلسطيني لا يطلب المعجزات، لكنه يطلب أن يُعامل كشريك في الوطن، لا كمتلقٍ للقرارات.
ومن هنا، فإن أي محاولة جادة لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات النظام السياسي تصبح ضرورة لا خياراً، لأن هذه الثقة لا تُبنى بالتصريحات ولا بحملات التهنئة أو الخطاب الإعلامي، بل تُبنى بالفعل والممارسة.
وفي نهاية المطاف، لا تكمن الأزمة فقط في طبيعة القرارات، بل في المسافة المتزايدة بين القرار وصاحبه من جهة، وبين المواطن الذي يعيش نتائجه من جهة أخرى، وهي مسافة لا يمكن اختزالها إلا بإعادة الاعتبار للمعرفة والشفافية، لأن الشراكة في الوطن تبدأ من الشراكة في الفهم، ومن دون ذلك تبقى الفجوة مرشحة للاتساع بدل أن تضيق.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


