هل انتهى الدور الإيراني في المنطقة؟
وكالة سوا الاخبارية -
2026/06/14

تصعب الإجابة عن هذا السؤال، إذ إن المؤكد أن أحد أبرز مخرجات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران هو إعادة ترتيب الإقليم بما يكفل ضمان المصالح المتبادلة بين جميع الأطراف.
واضح أن الأطراف المعنية باتت تدرك أن استمرار الحرب لن يقود لشيء.
وحده نتنياهو كان يريد حرباً مستمرة لا تتوقف لأن هذا يعني إنهاك إيران، لكنه أيضاً يريد حرباً مستمرة تخوضها معه الولايات المتحدة.
لذلك يعتقد البعض أن ترامب يقود نتنياهو حيث إنه من يقرر بشأن الحرب والسلم مع إيران، فيما الحقيقة أن نتنياهو يدرك أن لا حيلة لتل أبيب لخوض الحرب ضد طهران وحيدة.
وربما أن هذا هو أهم استنتاج أدركته الأطراف الثلاثة المعنية وهو أن حرباً ثنائية بين تل أبيب وطهران غير ممكنة دون تدخل واشنطن.  هل يعني هذا أن الطرفين لن يخوضا حرباً دون واشنطن؟
من الصعب الحكم ولكن قد يقود هذا الإدراك إلي نوع آخر من العلاقة لا يقوم فقط على الردع المتبادل بل على توزيع المصالح.
القصة ليست في السلاح النووي الإيراني بل في علاقات إيران وأذرعها في المنطقة. اعتمدت طهران منذ نجاح ثورة الخميني على مبدأ تصدير الثورة وهو عادة ما كان تجاه المنطقة العربية أو المجتمعات العربية التي ينتمي بعض سكانها للمذهب الشيعي. وامتد هذا ليشمل فلسطين بطبيعة الحال ضمن نفس فهم القادة العرب لحاجتهم لفلسطين سابقاً لاكتساب الشرعية المفقودة.
لاحظوا أن تصدير الثورة لم يتم تجاه المجتمعات الشيعية في شرق أو شمال آسيا، فطهران رأت مبكراً معاركها في المنطقة العربية.   
إيران عرفت حجم قوتها الصاروخية وربما باتت مقتنعة أن قوة ردع صاروخية على قدر عالٍ من الفعالية يمكن لها أن تشكل بديلاً عن قوة نووية قد لا تتمكن من تحقيقها قبل أن تخسر كل شيء.
ومن باب تحقيق الممكن فإن التوجه الإيراني الجديد يرتكز على الحفاظ على الموجود وعدم العناد حتى لا تخسر كل شيء.
في المحصلة فإن القدرات الصاروخية الإيرانية يمكن لها أن توفر حماية معقولة للنظام ما لم ينهر من الداخل.
في الحروب الجديدة لم يعد نوع السلاح هو المهم بقدر فعاليته ونجاعته، ولعل استخدام الطائرات الزنانة الفاعل في الحرب الدائرة من قبل إيران ومن قبل حزب الله كما استخدامها من قبل أوكرانيا دلل بشكل قاطع على أن السلاح يقاس بمدى فعاليته. هذا لن يعني تخلي إيران عن طموحها النووي لكنه يعني أن المزيد من العناد قد يؤدي إلى «تكسير الرأس».
ثمة قدرات صاروخية فاعلة يمكن لها أن تردع تل أبيب عن أي حماقة مستقبلية. ولعل نتنياهو أكثر من فهم الخطوة الإيرانية حين طالب الإدارة الأميركية بالضغط لتفكيك القدرات الصاروخية الإيرانية.
فالقصة ليست مجرد قصة سلاح نووي بل هي بالأساس التسلح الإيراني.
وطالما بقيت إيران محتفظة بقدراتها الصاروخية وقدراتها على تسيير طائرات بدون طيار فإنها ستشكل تهديداً على إسرائيل.  
وعليه فبكل الأحوال فإن أي اتفاق مع إيران لن يكون مرضياً لنتنياهو حتى لو سلمت إيران بتسليم اليورانيوم المخصب، بالنسبة له فإن فكرة أن تنتهي الحرب وإيران قادرة على إمطار تل أبيب وحيفا بالصواريخ فإن هذه الحرب لم ينتج عنها إلا ترسيخ قوة إيران.
فطهران ستظل قادرة في أي وقت على تفعيل برنامجها النووي وجهودها لامتلاك القنبلة النووية.
وهو يعرف أكثر من أي شخص آخر أن ترامب عما قليل سيصبح كالبطة العرجاء وهو يعد آخر ٢٤ شهراً له في البيت الأبيض كما أنه يعرف أنه سيكون صعباً على تل أبيب أن تحظى برئيس بمثل حماقة ترامب لتجره خلفها في حروبها.
قد لا يكون ترامب آخر رئيس أميركي تقوده تل أبيب كما لن يتم الإعلان عن انتهاء تأثير اللوبي الصهيوني ونهاية نفوذه في البيت الأبيض ولكن لن يكون لتل أبيب ورئيس وزرائها القادم مثل هذا التأثير الذي لنتنياهو على ترامب.
ببساطة فإن إدارة ترامب للأزمات العالمية واندفاعه وعدم اتزان طريقة اتخاذ القرارات أمر لن يتكرر.
لذلك فنهاية الحرب كما تفهمهما تل أبيب يعني تأجيلها لوقت لن تتوفر لديها فيها الخيارات والظروف المتوفرة الآن.
وربما تعرف إيران هذا مثلما تعرفه إسرائيل جيداً.  
عموماً الحروب لا تندلع لذاتها كما أن تحقيق الأهداف غير مرتبط بالانطباعات. وعليه فإن تواصل الأطراف من أجل الوصول لصيغة تضمن مصالح الجميع يبدو منطقياً.
ضمن هذا السياق فإن قصقصة أجنحة إيران في المنطقة المحيطة بإسرائيل وتحديداً في غزة ولبنان سيكون الإنجاز الذي يسعى إليه نتنياهو في ظل عجزه عن تقليص قدرات طهران الصاروخية.
بالنسبة لغزة فإن الأمر يبدو منتهياً حتى أن طهران لم تذكر غزة ضمن فهمها للتسوية الشاملة أو لوقف إطلاق النار الشامل.
وهذا ليس خطأها بل خطأ من تبناها شريكاً أو راهن على ذلك، أما فيما يتعلق بحزب الله فإن الحكمة الرائجة باتت التخلص من هيمنته على الدولة اللبنانية وتفكيك بنية الدول الموازية التي يديرها في لبنان.
والمؤكد أن رفع طهران يدها عنه سيساهم في تحقيق ذلك. قد يتم التأكيد على دوره السياسي الطائفي لكن القدرات العسكرية أمر آخر. وأنا لا ألوم إيران، فالدول تبحث عن مصالحها، نحن الذين نزج أنفسنا في كل المعادلات وندفع الثمن جرّاء ذلك.
بل ربما ستكسب إيران أكثر من جولة الحرب هذه، من مال أكثر وانفتاح وعلاقات تجارية ونفوذ مختلف سيكون على حساب مكانة عواصم الخليج التي ستكون الخاسر الأكبر من كل ما جرى. العالم يعترف بالقوي ويتفاوض معه.
ومع ذلك هل هذا مجرد تمهيد لتحييد القدرات الإيرانية من خلال محاصرتها وتجفيفها تدريجياً.
هل يتذكر أحد ما جري مع العراق قبل ذلك؟  

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر وكالة سوا الإخبارية



إقرأ المزيد