شبكة راية الإعلامية - 6/14/2026 8:09:02 AM - GMT (+2 )
الكاتب: م. ماهر أبو صدغ
التحول الرقمي هدف نبيل، ومواكبة التطور التكنولوجي ضرورة لا يختلف عليها اثنان، لكن الفرق كبير بين أن يكون التحول الرقمي ثمرة تخطيط علمي مدروس، وبين أن يتحول إلى تجربة تختبر على حساب مستقبل عشرات الآلاف من الطلبة في أهم امتحان وطني في حياتهم.
فالنجاح في الاختبارات الإلكترونية لا يقاس بإطلاق منصة إلكترونية أو شراء أجهزة أو تركيب شبكات، وإنما يقاس بمدى جاهزية المنظومة كاملة: تقنياً وتربوياً وإدارياً وأمنياً، وعندما تغيب هذه الرؤية الشاملة، تصبح التكنولوجيا هدفاً بحد ذاتها بدلاً من أن تكون وسيلة لخدمة التعليم.
ومن أكثر ما يثير الاستغراب أن التطبيق الذي سيستخدمه الطالب الفلسطيني لأداء امتحان التربية الدينية لهذا العام لم يطور أساساً لهذا الغرض، بل هو تطبيق تابع لجامعة في الأردن أضيف إليه خيار خاص للطالب الفلسطيني. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل من المعقول أن تكون دولة تسعى إلى رقمنة أهم امتحان وطني فيها غير قادرة على تطوير تطبيق مستقل مخصص لهذا الامتحان، يراعي احتياجاته ويمنح الطالب بيئة بسيطة وآمنة وخالية من أي تشتيت؟
إن الامتحان ليس مجرد برنامج يعمل على شاشة، بل هو رمز للسيادة التعليمية والثقة الوطنية، ويستحق منظومة مصممة خصيصاً له، لا تعديلاً على تطبيق أنشئ لأهداف مختلفة.
والأهم من ذلك أن الدول التي تمتلك بنية تحتية وتقنيات تفوق إمكاناتنا بمراحل لا تزال تعتمد الامتحانات الورقية في اختباراتها الوطنية النهائية. فبريطانيا وألمانيا وفرنسا، وكذلك الصين التي تنظم امتحان (Gaokao) أحد أكبر وأهم الاختبارات الوطنية في العالم، ما زالت تجري هذه الامتحانات داخل قاعات بإجراءات أمنية صارمة وبالطريقة الورقية التقليدية. وهذا ليس رفضاً للتكنولوجيا، وإنما إدراك لطبيعة الامتحانات المصيرية التي تتطلب أعلى درجات العدالة والاستقرار والثقة.
أما التحدي الحقيقي، فهو لا يقتصر على جاهزية الإنترنت والشبكات، رغم أن لدينا تجارب سابقة غير مشجعة في هذا المجال. فالتجارب الإقليمية والدولية أظهرت أن المشكلة الأكبر بعد التحول إلى الاختبارات الإلكترونية كانت الغش باستخدام وسائل وتقنيات متطورة يصعب اكتشافها والسيطرة عليها.
فالطالب يؤدي الامتحان على جهازه الشخصي، ومن غير العملي ولا المضمون التحقق الكامل من برمجياته أو وسائل الاتصال المتاحة عليه. وحتى لو تم تفتيش الأجهزة قبل الامتحان، فإن ذلك لا يوفر ضمانة حقيقية. كما أن اضطرار بعض الدول إلى إعادة الاختبارات لأعداد كبيرة من الطلبة بسبب أعطال تقنية أو تنظيمية أدى إلى اهتزاز الثقة بعدالة الامتحان ومصداقيته. وهكذا نجد أنفسنا نحاول معالجة مشكلة محدودة لنواجه في المقابل تحديات أكبر وأكثر تعقيداً.
ومن الناحية الفنية، فإن ما يثير القلق أكثر هو أسلوب إدارة الملف، فقد أعلنت الوزارة أن خطة الانتقال إلى الاختبارات الإلكترونية معدة منذ أكثر من عام، لكن الجهات الفنية في الوزارة والمديريات لم تبلغ بها إلا في مرحلة متأخرة جداً، وإذا كانت الخطة موجودة منذ ذلك الوقت، فلماذا لم يتم توجيه المديريات بتعليمات مبكرة لاختيار قاعات الثانوية العامة في مدارس تمتلك شبكات لاسلكية حديثة وقادرة على تحمل الضغط المتوقع؟ ولماذا لم يستفد من خبرة الأقسام الفنية التي ستكون في النهاية مسؤولة عن متابعة تنفيذ الاختبار ميدانياً؟
بل إن إعلان أن الاختبار التجريبي سيعقد من منازل الطلبة يفرغه من أحد أهم أهدافه! فالاختبار التجريبي يجب أن يحاكي الواقع بالكامل، وأن يختبر الشبكات والراوترات والبنية التحتية داخل المدارس تحت ظروف التشغيل الفعلية وبوجود جميع الطلبة في الوقت نفسه. أما إذا جرى من المنازل، فإنه لن يختبر سوى التطبيق وقدرته على تحمل الضغط، بينما تبقى جاهزية المدارس مجهولة حتى يوم الامتحان الحقيقي.
وهنا يبرز سؤال جوهري: إذا كان الهدف هو اكتشاف المشكلات قبل الامتحان الرسمي، فكيف يمكن تحقيق ذلك دون اختبار البيئة التي سيعقد فيها الامتحان؟
كما أن الجانب الاقتصادي يستحق المراجعة. فإن أحد الأهداف التي تم أخذها بعين الاعتبار للتحول إلى الاختبارات الإلكترونية هو تخفيف كلفة التصحيح، لكن إذا كانت الميزانيات المطلوبة لإنشاء الشبكات وتطوير البنية التحتية وصيانتها وتأمينها في فترة زمنية قصيرة ستتجاوز بأضعاف ما سيتم توفيره من تكاليف التصحيح. ومن هنا، يحق التساؤل عما إذا كانت الأولوية في هذه المرحلة يجب أن تكون للاستثمار في بنية تحتية ضخمة، أم البحث عن حلول انتقالية أقل كلفة وأكثر مرونة تحقق الغاية نفسها دون تحميل الوزارة أعباء مالية إضافية.
وفي هذا السياق، أرى أن الاعتماد المرحلي على حزم الإنترنت الخلوية (3G) من شركات الهاتف المحمول الوطنية قد يشكل خياراً عملياً إلى حين اكتمال البنية التحتية داخل المدارس. ويمكن لشركات الهاتف المحمول الوطنية بالتنسيق مع الوزارة، إتاحة استخدام تطبيق الامتحان مجاناً (Zero Rating)، بحيث يتمكن الطلبة من الدخول إليه دون استهلاك رصيد أو الحاجة إلى شراء حزم إنترنت، كما هو معمول به في العديد من التطبيقات والخدمات البنكية. وبهذه الآلية يمكن تقليل الكلفة، وتسريع التنفيذ، وتجنب الحاجة إلى استثمارات كبيرة قد لا تكون ضرورية في هذه المرحلة الانتقالية.
ويبقى جانب لا يقل أهمية، وهو الأمن السيبراني وسرعة الاستجابة للأعطال. فامتحان الثانوية العامة لا يحتمل توقفاً لساعات أو انتظار يوم أو يومين حتى تتدخل الجهة المعنية أياً كانت لحل المشكلات أو الأعطال الفنية. كما أن المؤسسات الصغيرة تستثمر في تجهيزات حماية متقدمة، فكيف بمنظومة تمس مستقبل آلاف الطلبة في وقت واحد؟
لكن قبل كل ذلك، يجب أن نسأل أنفسنا سؤالاً أكثر عمقاً: ما هي المشكلة التي نحاول حلها؟ فإذا كان الطالب الفلسطيني قد تلقى تعليماً حضورياً بنسبة 60 أو 70 بالمئة فقط، فإن الأولوية يجب أن تكون لمعالجة فجوات التعلم وتحسين جودة التعليم، لا لإضافة تحديات جديدة إلى منظومة تعاني أصلاً من مشكلات قائمة.
إن التكنولوجيا ليست غاية، بل أداة. وعندما تتحول الأداة إلى مشروع بحد ذاته، يغيب الهدف الأساسي وهو بناء طالب فلسطيني قادر على التفكير والكتابة والتحليل والإبداع. أما إذا انشغلنا بالشكل وأهملنا الجوهر، فإننا نخاطر بأن تواصل جامعاتنا تخريج أجيال تحمل شهادات، لكنها تفتقر إلى أبسط المهارات الأساسية.
إن هذه الرسالة ليست رفضاً للتطوير، بل دعوة إلى تطوير حقيقي يقوم على التخطيط المبكر، والاستماع إلى أهل الاختصاص، وإجراء تجارب واقعية، واتخاذ قرارات مبنية على أسس علمية لا على ردود أفعال أو استعجال في التنفيذ.
فالمشروعات الوطنية الكبرى لا تنجح بالاجتهادات الفردية ولا بالقرارات المتأخرة، وإنما تنجح عندما تكون الخبرة الفنية جزءاً من صناعة القرار منذ اليوم الأول. وفي ملف بحجم امتحان الثانوية العامة، فإن أي خطأ لن يكون مجرد عطل تقني، بل قد يتحول إلى أزمة تمس ثقة المجتمع بأكمله في عدالة الامتحان ونزاهته.
ولذلك، فإن الواجب اليوم ليس الدفاع عن القرار، بل مراجعته، والاستماع إلى المختصين، وتصحيح المسار قبل أن يتحول الاختبار الحقيقي إلى أول اختبار تجريبي على مستقبل أبنائنا.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


