تحولات في موازين القوى أم إدارة جديدة للصراعات؟
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: د. مروان إميل طوباسي

قد لا يكون ما تشهده المنطقة اليوم من تطورات مرتبطاً بقوة الردع الإيرانية وحدها، بل أيضاً بخشية الولايات المتحدة من انزلاق الشرق الأوسط إلى حرب إقليمية واسعة تهدد مصالحها الاستراتيجية وقواعدها العسكرية المنتشرة فيه، فضلاً عن انعكاساتها على أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية واستقرار النظام المالي الدولي.

فالولايات المتحدة، رغم استمرار موقفها المناهض لحق شعبنا في حريته واستقلاله الوطني، واعتبارها إسرائيل شريكاً استراتيجياً أساسياً لاعتبارات عدة كنت أشرت لها بمقالات سابقة، تنظر في الوقت ذاته إلى الاستقرار الإقليمي ضمن مفهومها، باعتباره جزءاً من منظومة مصالحها الأوسع. ومن هذا المنطلق، قد تتدخل لضبط سلوك حلفائها أو خصومها عندما ترى أن التصعيد قد يخرج عن السيطرة ويهدد توازنات النظام الإقليمي والدولي وخاصة محاولاتها لاستدامة هيمنتها واستراتيجيات أمنها.

وفي السياق ذاته، فإن تباين سلوك إسرائيل بين استمرار عمليات العدوان في غزة ولبنان، وعدم الذهاب إلى مواجهة واسعة مع إيران، قد يعكس حدود القوة العسكرية في البيئة الراهنة، وتعقيد حسابات الردع، إضافة إلى الاعتبارات الداخلية الإسرائيلية المتصلة بالانقسام السياسي وكلفة الحروب المتواصلة وصعوبة تحقيق حسم استراتيجي مستقر.

وفي المقابل، تبدو واشنطن أكثر ميلاً اليوم إلى إدارة الأزمات بدل إعادة تشكيل المنطقة عبر تدخلات حاسمة أو ترتيبات مفروضة. ويتسق مع ذلك ما يُتداول من حديث عن مسارات تفاوض غير مباشر أو تفاهمات أولية بين الولايات المتحدة وإيران، بما يعكس توجهاً متزايداً نحو احتواء التوترات عبر أدوات دبلوماسية مرحلية ضمن منطق إدارة الصراعات لا حسمها.

أما على المستوى الإقليمي والدولي الأوسع، فيبدو أن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة عما عرفته خلال العقود الماضية، في ظل مجموعة من التحولات المتداخلة، أبرزها:

تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض نتائج سياسية منفردة كما في مرحلة ما بعد الحرب الباردة.

صعود قوى إقليمية فاعلة مثل إيران وتركيا بأدوار متفاوتة.

تنامي دور روسيا والصين في الشرق الأوسط ضمن تنافس دولي متصاعد.

استمرار الحرب على غزة وما كشفته من حدود القوة العسكرية في فرض حلول سياسية نهائية.

تصاعد تأثير القوى والحركات غير الحكومية في معادلات الصراع.

ميل القوى الدولية والإقليمية إلى تجنب حرب شاملة مفتوحة.

هذه التحولات لا تعني انتقالاً حاسماً في موازين القوى، بقدر ما تشير إلى حالة من "التوازن القلق" الذي تتراجع فيه قدرة أي طرف على فرض إرادته الكاملة. حتى القوى التقليدية الكبرى وإسرائيل كدولة توسعية، باتت تواجه بيئة أكثر تعقيداً تحد من قدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية مستقرة تخدم رؤيتها.

وتؤكد التجارب الأخيرة في غزة ولبنان، وكذلك في المواجهات مع إيران، أن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لإنتاج تسويات سياسية دائمة، إذ تتسع الفجوة بين القدرة على استخدام القوة وبين القدرة على تحويلها إلى مكاسب استراتيجية مستقرة.

وفي هذا السياق، تبدو واشنطن أكثر اهتماماً بإدارة الأزمات ومنع انفجارها من سعيها إلى إعادة هندسة النظام الإقليمي.

ومن زاوية أخرى، فإن هذا التحول ينعكس مباشرة على القضية الفلسطينية. فمن جهة، قد يفتح المجال أمام تعددية أكبر في المواقف الدولية ويقلل من احتكار الولايات المتحدة لمسار التسوية المفترضة. ومن جهة أخرى، قد يدفع بعض القوى إلى تبني مقاربات تقوم على إدارة الصراع بدلاً من إنهائه، عبر ترتيبات أمنية أو إغاثية أو انتقالية طويلة الأمد.

وهنا تكمن الإشكالية المركزية، إذ تبقى القضية الفلسطينية قضية تحرر وطني قائمة على إنهاء الاحتلال أولاً وتجسيد الحقوق غير القابلة للتصرف، وليس مجرد ملف إداري أو أمني أو اقتصادي قابل للإدارة طويلة الأمد. وفي ظل غياب حل سياسي جذري، قد تتحول محاولات الاحتواء إلى شكل من أشكال تكريس الوضع القائم.

غير أن أي تحول دولي، مهما كان حجمه، لن يلغي الحاجة إلى إرادة سياسية ورؤية فلسطينية موحدة ومشروع وطني تحرري واضح قادر على استثمار المتغيرات الدولية والإقليمية. فالتاريخ يثبت أن التحولات الكبرى لا تمنح نتائجها تلقائياً، بل تتوقف على قدرة الشعوب على تحويلها إلى فرص سياسية.

وفي المحصلة، فإننا لسنا أمام انتقال حاسم في موازين القوى بقدر ما نحن أمام مرحلة انتقالية معقدة، تتراجع فيها قدرة القوى الكبرى على الحسم وقدرات إسرائيل على تفوق الردع، وتتقدم فيها سياسات إدارة الأزمات والتوازنات.

ويبقى التحدي الأهم فلسطينياً هو الانتقال من موقع المتلقي للتغيرات إلى موقع الفاعل القادر على توظيفها وتغييرها لا مجرد القبول بها والتكيف معها، بما يخدم إنهاء الاحتلال وتحقيق الحقوق الوطنية، وفي مقدمتها حق تقرير المصير.

* عضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح".

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد