روائيون رحلوا وتركوا في القلب غصة ووردة
شبكة راية الإعلامية -

الكاتب: د. أحمد رفيق عوض

أكتب للذكرى والوفاء، لا للرثاء وحده. أكتب عن روائيين وقصاصين كانوا أصدقاء وإخوة وأساتذة، ثم رحلوا بصمت، كما عاشوا، وكما أرادوا دائماً. لم يطلبوا ضجيجاً يرافق أسماءهم، ولم يسعوا إلى صناعة أساطير شخصية حول إبداعهم، بل تركوا أعمالهم تتكلم عنهم، ومضوا تاركين في القلب غصة لا تزول، ووردة لا تذبل.

يجدر أن نتذكرهم، ويجدر أن نعيد قراءتهم، وأن نقدمهم من جديد للأجيال التي لم تعاصرهم، لأن الأدب الحقيقي لا يموت برحيل أصحابه، بل يبدأ حياة أخرى كلما امتدت إليه يد قارئ جديد.

أتذكر زكي العيلة، صاحب الجملة المشبعة بالغضب والحنين في آن واحد، الكاتب الذي جعل من القصة القصيرة جمرة تتوهج بين أصابع القارئ. كان يعرف كيف يلتقط التفاصيل الصغيرة ويحولها إلى أسئلة كبرى عن الوطن والإنسان والخسارة، وكيف يمنح كلماته حرارة التجربة وصدقها، حتى تبدو قصصه وكأنها كُتبت بمداد القلب.

وأتذكر عزت الغزاوي، سيد البناء القصصي المتين، وصاحب التدفق السلس الذي يخفي وراءه مهارة نادرة في الكشف والإيحاء. في قصصه القصيرة كما في رواياته المكثفة، ظل النقد والمحاسبة هاجسين دائمين، يواجه بهما الذات والمجتمع والواقع السياسي دون صخب أو ادعاء، معتمداً على الفن وحده ليقول ما يريد قوله.

وأتذكر أحمد حرب، الذي كان يتعامل مع الرواية كما يتعامل المهندس مع مخطط معماري شديد الإحكام. لم يترك تفصيلاً في مكانه مصادفة، وكانت أعماله قائمة على وعي عميق بالبناء والتركيب. كان أيضاً من أوائل من وجهوا النقد الحاد، ومن أوائل من حذروا من المخاطر والتحديات التي تلوح في الأفق، قارئاً للتحولات بعين الكاتب وبصيرة المثقف.

ولا يمكن أن تغيب صورة غريب عسقلاني، الذي بقيت قصصه ورواياته وفية لمناطق الحنين، ولتبدلات الناس والمكان، وللذاكرة التي تصارع النسيان. كانت جملته الأنيقة تنضح بالموسيقى، وتنساب بخفة، لكنها تحمل في داخلها أثقال التجربة الفلسطينية بكل تناقضاتها وأحلامها وانكساراتها.

كان هؤلاء جميعاً أصحاب رؤية وموقف، وأصحاب صنعة أدبية رفيعة. لكنهم كتبوا في ظروف مختلفة، وفي لحظة تاريخية أخرى. لم يكونوا من جيل المؤسسين الرواد، ولم يعرفوا المنفى بما وفره من انفتاح واتساع وفرص للانتشار والحضور، ولم يتم تعميدهم أبطالاً ترافق أسماءهم الهالات والأساطير.

كتبوا في زمن التغير الكبير، زمن الانحسار والانكسار وتبدل اللغة وتبدل المعايير. عاشوا في مدن محتلة، مغلقة ومحاصرة، لكن مخيلاتهم بقيت أكثر اتساعاً من الجغرافيا، وحريتهم الداخلية كانت أقوى من كل الجدران والحواجز.

كما وجدوا أنفسهم في مواجهة انفجار إعلامي صنع معايير جديدة للنجومية والانتشار، حيث أصبحت المنصات والروافع الرقمية جزءاً من صناعة الاسم، بينما ظلوا أوفياء لرهانهم الأول: النص الجيد والكتابة الصادقة.

كتبوا ما كتبوا بصدق وحرقة وإبداع، ولم يساوموا على كلمتهم. قالوا ما أرادوا قوله، ثم مضوا بهدوء، تاركين أعمالاً تستحق أن تعاد قراءتها بعيداً عن ضجيج المناسبات.

أما بالنسبة إليّ، فهم ليسوا مجرد أسماء في تاريخ الأدب الفلسطيني، بل هم أصدقائي وإخوتي وأساتذتي. تعلمت منهم أكثر مما تعلمت من الكتب، وتقاسمت معهم لحظات الحلم والاختلاف والأمل. ولهذا أحتفل اليوم بذكراهم، وأستعيد عطرهم الذي لم يغادر أنحاء فلسطين، مؤمناً بأن الأوفياء لا يرحلون على الاطلاق، ما دامت كلماتهم قادرة على أن تنبض بالحياة في قلوب قرائهم.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.



إقرأ المزيد