تقرير: على قدمٍ واحدة... فتيات غزة يركضن نحو الحياة عبر كرة القدم
وكالة سوا الاخبارية -

لم تكتفِ الحرب في قطاع غزة بترك آلاف الضحايا والجرحى، بل خلّفت وراءها جيلاً كاملاً من النساء والفتيات اللواتي فقدن أطرافهن وأحلامهن في لحظة واحدة.

لكن وسط هذا الواقع القاسي، اختارت مجموعة من المصابات بالبتر مواجهة الألم بطريقة مختلفة، عبر الانضمام إلى أول فريق نسائي لكرة القدم للمبتورات في غزة، ليحوّلن الإعاقة إلى قوة، واليأس إلى أمل، ويبعثن برسالة للعالم مفادها أن الحياة لا تتوقف عند فقدان طرف من الجسد.

فرح.. رحلة بترٍ بدأت تحت الأنقاض

تستعيد فرح أبو قينص تفاصيل الليلة التي غيّرت حياتها إلى الأبد، ففي منتصف الليل كانت تجلس مع إحدى قريباتها في منزل جدتها، قبل أن يفاجئهن قصف استهدف المنزل بشكل مباشر.


 

تقول إن شدة الانفجار ألقت بها أرضاً، بينما نجت قريبتها دون إصابات، لكنها شعرت بألم شديد في ساقها ولم تتمكن من النظر إليها خوفاً من رؤية الدماء. وبعد دقائق من الصراخ والاستغاثة، تمكن الأهالي من فتح الباب الذي أغلقته قوة الانفجار ونقلها إلى المستشفى.

لم تكن شيريهان تعلم أن ساقها قد تعرضت لإصابة بالغة. وظلت طوال الطريق تعتقد أنها مجرد كسور، بينما كانت تسأل باستمرار عن حالتها. وعند وصولها إلى المستشفى، وجدت أعداداً كبيرة من المصابين والجرحى، وبقيت ملقاة على الأرض يومين كاملين دون إجراء العملية اللازمة.

معاناة مضاعفة داخل المستشفيات

لم تتوقف معاناة شيريهان عند الإصابة، بل استمرت خلال رحلة العلاج. فقد أمضت نحو ثلاثة أشهر في المستشفى في ظل نقص حاد في الغذاء والدواء، خلال فترة اتسمت بالمجاعة وانهيار القطاع الصحي.

وتوضح أنها اعتمدت لفترات طويلة على المحاليل والأدوية بسبب غياب الغذاء المناسب، قبل أن يتم إخراجها من المستشفى رغم عدم استكمال علاجها نتيجة الظروف الأمنية والضغط الهائل على المرافق الطبية.

من العزلة إلى الملعب

تقول شيريهان إن حياتها تغيرت بالكامل بعد الإصابة. فبعد أن كانت الابنة الكبرى التي تتحمل مسؤوليات الأسرة وتعتمد على نفسها في مختلف تفاصيل حياتها، أصبحت بحاجة إلى المساعدة في كثير من الأمور اليومية، وهو ما أثر عليها نفسياً بشكل كبير.

لكن نقطة التحول جاءت عندما تعرفت إلى مشروع تشكيل فريق نسائي لكرة القدم للمبتورات، أثناء توجهها لتلقي جلسات العلاج الطبيعي، التقاها القائمون على المبادرة وعرضوا عليها فكرة الانضمام للفريق.


 

وتوضح أنها وافقت فوراً، خاصة أنها كانت تبحث عن فرصة للقاء فتيات يعشن التجربة ذاتها. وتضيف أن أول تدريب شكّل فارقاً كبيراً في حياتها، إذ شعرت للمرة الأولى منذ إصابتها بأنها قادرة على الاستمتاع بالحياة مجدداً.

ورغم أنها لم تمارس كرة القدم سابقاً، فإنها وجدت في اللعبة مساحة للتفريغ النفسي واستعادة الثقة بالنفس، بعد إصابتها.

وتؤكد أن الرياضة علمتها أن الإعاقة ليست نهاية الطريق، وأن فقدان طرف لا يعني فقدان القدرة على النجاح أو ممارسة الحياة بشكل طبيعي.

وتختتم رسالتها للفتيات المبتورات بالقول: "البتر لا يعني أن الحياة انتهت، بل يجب أن نرضى بقضاء الله وقدره ونواصل حياتنا ونحقق أحلامنا، لأن الإعاقة ليست عائقاً أمام النجاح."

أم فقدت ابنتين ووجدت أملاً جديداً

أما شيريهان عيد، وهي أم لأربع بنات، فتؤكد أن حياتها انقلبت رأساً على عقب بعد إصابتها وفقدان اثنتين من بناتها خلال الحرب.

وتقول إنها كانت تكرس حياتها لرعاية أطفالها وتعليمهم، ولم تتخيل يوماً أنها ستلعب كرة القدم، خاصة في مجتمع اعتادت فيه هذه الرياضة أن تكون حكراً على الرجال.

وتضيف أن الإصابة دفعتها إلى الانعزال عن العالم ورفض التواصل مع الآخرين لفترة طويلة، قبل أن تسمع عن الفريق النسائي للمبتورات وتنضم إليه بهدف الخروج من أزمتها النفسية.

وتوضح أن مشاركتها في التدريبات الأسبوعية ساعدتها على استعادة جزء من توازنها النفسي، كما أعادت إليها الثقة بنفسها والشعور بأنها ما زالت قادرة على تحقيق الإنجازات.

وتطمح اليوم إلى المشاركة في بطولات عربية ودولية، والحصول على ألقاب رياضية تمثل من خلالها الفتيات المصابات في غزة أمام العالم.

وتوجه رسالة مؤثرة للعالم قائلة: "أقف اليوم على قدم واحدة داخل ملعب كرة القدم، لكنني لم أفقد إرادتي في الحياة."

فريق نسائي وُلد من رحم الحرب

من جانبه، يقول رئيس جمعية فلسطين لكرة القدم للبتر، فؤاد أبو غليون، إن الجمعية تأسست عام 2018 لخدمة الرياضيين الذين تعرضوا لإصابات مختلفة جراء الحروب على غزة، وحصلت على عضوية الاتحاد الدولي والاتحاد الآسيوي لكرة القدم للبتر.

ويوضح أن فكرة تأسيس فريق نسائي للمصابات بالبتر كانت مطروحة منذ سنوات، إلا أن الحرب أخرت تنفيذها، قبل أن يتم إطلاق المشروع بعد توقف الحرب على غزة منذ عدة أشهر.

ويضم الفريق حالياً 13 فتاة تعرضن جميعاً لإصابات أدت إلى بتر أطرافهن خلال الحرب، ويخضعن لتدريبات بدنية وفنية تهدف إلى بناء فريق قادر على المنافسة في البطولات الإقليمية والدولية.

ويشير أبو غليون إلى أن الفريق يواجه تحديات كبيرة، أبرزها نقص الملاعب الرياضية والمعدات والأحذية الخاصة، إضافة إلى تكاليف المواصلات المرتفعة التي تتحملها الجمعية.

ويعرب عن أمله في المشاركة ببطولة عالمية للسيدات خلال العام المقبل، مؤكداً أن اللاعبات يحملن رسالة حياة وصمود رغم الظروف القاسية التي يعشنها.

بدوره، يؤكد مسؤول دائرة الإعلام في الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بقطاع غزة، مصطفى صيام، أن الرياضة تمثل أداة مهمة للدعم النفسي وإعادة دمج المصابات في المجتمع.

ويشير إلى أن الحرب أودت بحياة نحو 1013 من أفراد الحركة الرياضية الفلسطينية منذ السابع من أكتوبر، معظمهم من منتسبي كرة القدم، فيما أصيب عدد كبير من الرياضيين وفقد بعضهم أطرافهم.

كما تعرض القطاع الرياضي لدمار واسع شمل 285 منشأة رياضية بين تدمير كلي وجزئي، بينما تحولت المنشآت المتبقية إلى مراكز إيواء للنازحين.

ويرى صيام أن تأسيس فريق نسائي للمبتورات يمثل خطوة مهمة لإعادة الأمل للفتيات المصابات، ومساعدتهن على تجاوز الصدمات النفسية الناتجة عن الحرب والإصابة.

بين الأطراف المبتورة والملاعب المدمرة، تواصل فتيات غزة كتابة قصة مختلفة عنوانها الإرادة. فبينما حاولت الحرب أن تنتزع منهن القدرة على الحركة، وجدن في كرة القدم مساحة جديدة للحياة، وأثبتن أن الأحلام لا تُقاس بعدد الأقدام التي نقف عليها، بل بحجم الإرادة التي نحملها داخلنا.

المصدر : تقرير - عبير مراد

إقرأ المزيد