كيف أصبح المغرب القوة الصناعية الأولى في أفريقيا؟
شبكة راية الإعلامية -

تصدر المغرب مؤشر جودة التصنيع الأفريقي لعام 2025، متجاوزاً جنوب أفريقيا لأول مرة، نتيجة تحديث صناعي وتنويع الصادرات وفعالية السياسات. تضاعفت الصادرات الصناعية إلى 408 مليارات درهم، مدفوعة بصعود قطاعي السيارات والطيران. المغرب يستثمر في البنية التحتية ويجذب استثمارات أجنبية، مع رهانات مستقبلية على الطيران والبطاريات والهيدروجين الأخضر.

لم يكن تصدر المغرب للمشهد الصناعي في أفريقيا ضمن مؤشر صادر عن البنك الأفريقي للتنمية، مجرد صدفة أو إنجازاً طارئاً، بل كان تتويجاً لمسار تحول اقتصادي امتد لأكثر من عقدين ارتكز على سياسات داعمة للتصنيع المحلي وجاذبة للاستثمارات. 

كشف المؤشر، الذي يقيس جودة التصنيع وتنافسيته في دول القارة لسنة 2025، أن المملكة تجاوزت لأول مرة جنوب أفريقيا التي احتفظت بالصدارة منذ إطلاق المؤشر قبل 16 سنة، في تحول يعكس انتقالاً تدريجياً من اقتصاد تقليدي إلى نموذج قائم على التصنيع والتصدير.

تأتي وراء هذا التحول ثلاثة عوامل رئيسية، هي تحديث صناعي مستمر، وتنويع متسارع في الصادرات، وفعالية السياسات الصناعية.

لكن التقرير يرسم في الوقت ذاته صورة لقارة تتقدم بوتيرة متفاوتة، رغم تسجيل 41 دولة من أصل 54 تقدماً في مستويات التصنيع منذ 2010. داخل هذا السياق القاري، بدا المسار المغربي أكثر ديناميكية. حيث تضاعفت الصادرات الصناعية خلال العقد الماضي لتصل إلى 408 مليارات درهم (44.3 مليار دولار) العام الماضي، مدفوعةً أساساً بصعود قطاعي السيارات والطيران، اللذين تحولا إلى ركيزتين أساسيتين في صادرات البلاد.

والمُؤشر لا يركز على حجم القطاع الصناعي في الاقتصادات، بل يرصد جودة التصنيع والتنافسية والبنية التحتية والتنوع في الصادرات والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.

تعكس الأرقام بوضوح التحول الذي حققه المغرب في مجال التصنيع. فصادرات السيارات وحدها وصلت إلى 58.2 مليار درهم حتى نهاية أبريل بزيادة 18.6% على أساس سنوي، حيث انتزع القطاع قبل سنوات الصدارة من الفوسفات الذي يمتلك المغرب نحو 70% من احتياطيه العالمي.

تقف خلف هذه الأرقام منظومة صناعية باتت أكثر نضجاً، حيث تتجاوز الطاقة الإنتاجية لصناعة السيارات مليون مركبة سنوياً مع طموح للوصول إلى مليوني مركبة بنهاية العقد الجاري. يضم القطاع أكثر من 260 شركة، ويشغل ما يزيد عن 230 ألف عامل، وهي منظومة تقودها شركتا "ستيلانتيس" و"رينو".

بينما سجل قطاع صناعة الطيران صادرات بقيمة 11 مليار درهم خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام بارتفاع سنوي يناهز 15.9%. ويعمل بالقطاع أكثر من 145 شركة، مع صادرات بلغت 29 مليار درهم خلال العام الماضي، مدفوعةً بحضور مجموعات عالمية كبرى مثل "إيرباص" و"بوينغ" و"سافران" و"هكسيل".

هذا التحول الصناعي لم يأت بمعزل عن رؤية اقتصادية. فالمملكة جعلت الصناعة محوراً أساسياً في النموذج التنموي الجديد، مع تركيز متزايد على التصدير. رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أكد في جلسة في البرلمان في أبريل الماضي، أن المغرب جعل من الصناعة أحد أعمدة تحوله الاقتصادي، فيما أشار وزير الصناعة والتجارة رياض مزور، في مايو أمام المشرعين، إلى أن رهان البلاد هو تعزيز السيادة الاقتصادية عبر دعم الإنتاج المحلي والابتكار وخلق فرص عمل مستدامة.

يقف الاستثمار المكثف في البنية التحتية في صلب هذا النجاح الصناعي. بجوار "ميناء طنجة المتوسط"، وهو الأكبر في أفريقيا والبحر المتوسط، هناك منطقة صناعية ضخمة تضم أكبر مصنع للسيارات في القارة تابع لشركة "رينو" الفرنسية.

أصبح هذا الميناء بوابة رئيسية لاندماج المغرب في التجارة العالمية، إلى جانب مناطق صناعية متكاملة وشبكات لوجستية متطورة، سمحت بربط الإنتاج المحلي مباشرة بسلاسل القيمة العالمية.

محمد عربوش، خبير اقتصادي أول لدى "مركز السياسات من أجل الجنوب الجديد" (PCNS)، في الرباط، اعتبر أن ما تحقق هو ثمرة استراتيجية صناعية ممتدة لعقدين، قامت على الاستثمار في البنية التحتية وتطوير قطاعات تصديرية عالية القيمة.

استفاد المغرب من موقعه الجغرافي القريب من أوروبا، ومن استقرار مؤسساته، ومن شبكة اتفاقيات تجارة حرة جعلته وجهة مفضلة للشركات متعددة الجنسيات، بحسب عربوش.

يحتل ميناء "طنجة المتوسط" المرتبة السادسة عالمياً في مؤشر أداء الموانئ لسنة 2025 الصادر عن البنك الدولي و"إس أند بي غلوبال". ويتوقع أن يدشن المغرب هذا العام ميناء "الناظور غرب المتوسط" هذا العام لزيادة تنافسيته في البحر المتوسط، كما يبني ميناء "الداخلة" على المحيط الأطلسي لزيادة التجارة مع القارتين الأفريقية والأميركية.

يوسف كراوي الفيلالي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، قال إن تصدر المغرب لمؤشر التصنيع الأفريقي كان "متوقعاً نظراً للجهود المبذولة لجذب الاستثمارات الأجنبية الباحثة عن الاستقرارين الأمني والسياسي". وأضاف لـ"الشرق": "هذه أمور يوليها المستثمرون أهمية كبيرة، ناهيك عن وجود رؤية استراتيجية للتحول الصناعي جرى تفعيلها عبر إطلاق عدة مخططات قطاعية".

لا يزال المغرب يراهن على ضخ استثمارات حكومية ضخمة في البنية التحتية، حيث يطلق عدداً من المناطق الصناعية المجهزة لجذب الاستثمارات، وينفذ مشاريع كبيرة لزيادة طاقة الموانئ إلى نحو مليار طن، إضافة إلى تطوير خطوط السكك الحديدية، التي تساعد في نقل إنتاج الصناعة نحو شمال البلاد بهدف التصدير.

عربوش، ذكر أن صعود الصناعة المغربية لم يكن معزولاً عن تحولات الاقتصاد العالمي، خصوصاً بعد جائحة كورونا، التي أعادت رسم سلاسل القيمة العالمية. ففي ظل سعي الشركات الكبرى إلى تقليص المخاطر وإعادة توطين جزء من إنتاجها قرب الأسواق الرئيسية، تمكن المغرب من استثمار موقعه الجغرافي وتنافسية تكاليفه واستقراره المؤسساتي ليصبح منصة صناعية مفضلة في الضفة الجنوبية للمتوسط.

كما ارتبط هذا الصعود أيضاً بتزايد اندماج الاقتصاد المغربي في سلاسل القيمة العالمية، وتنامي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، بما عزز تنوع القاعدة الإنتاجية ورفع من جاذبية المملكة كوجهة صناعية، بحسب عربوش.

خلال العام الماضي، استقطبت المملكة صافي استثمارات أجنبية مباشرة بنحو 28.3 مليار درهم، بارتفاع 74% على أساس سنوي، وهي أعلى نسبة محققة في السنوات الخمسة الماضية.

تشكل قطاعات صناعة الطيران، والبطاريات، والهيدروجين الأخضر أبرز رهانات المغرب الصناعية في المستقبل. فصناعة الطيران مرشحة لنمو قوي في ظل تراكم الطلبيات لدى المصنعين العالميين.

في المقابل، تبرز بطاريات السيارات الكهربائية كقطاع صاعد يتشكل بسرعة، مدفوعاً بتقاطع الطلب الأوروبي المتزايد على سلاسل توريد منخفضة الكربون، مع الاستثمارات الآسيوية المتجهة نحو إعادة توزيع الإنتاج، إضافة إلى ميزة المغرب المرتبطة باحتياطاته من الفوسفات وقدرته على بناء منظومة صناعية متكاملة حوله.

خلال السنوات الماضية، استقطب المغرب استثمارات صينية ضخمة في صناعة البطاريات، منها أكبر مصنع للبطاريات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بطاقة إنتاجية مستهدفة تبلغ 100 غيغاواط/ساعة سنوياً من طرف شركة "Gotion"، إضافة إلى مشروعين آخرين لشركتي "BTR"، و"CNGR".

أما الهيدروجين الأخضر، فيبقى الرهان الأبعد مدى والأكثر تعقيداً في ظل ضبابية الطلب على هذا الوقود المستقبلي. ويراهن المغرب في هذا الصدد على إمكانياته الكبيرة في مجال الطاقات المتجددة وسواحله الممتدة على أكثر من 3000 كيلومتر، إلى جانب انخراطه في شراكات استراتيجية مع عدة شركات دولية. غير أن هذا القطاع يظل رهيناً بتطورات تكنولوجية حاسمة، خصوصاً في خفض كلفة التحليل الكهربائي، وتجهيز بنية تحتية للتصدير، وتشكل ملامح واضحة للطلب على هذه السوق.

يُشير عربوش إلى أن الخيط الرابط بين القطاعات الثلاثة هو موقع البلاد داخل التحولات الكبرى للاقتصاد العالمي، سواء في الطاقة أو التكنولوجيا أو سلاسل التوريد، غير أن تحويل هذا الموقع إلى قوة صناعية مستدامة يتطلب تعميق البحث والتطوير، ورفع مستوى الابتكار المحلي، وإدماج الموردين في النسيج الصناعي بشكل أوسع.

رغم هذا الزخم، يحذر الخبير الاقتصادي عربوش من أن استدامة النمو الصناعي المغربي ليست مضمونةً دون معالجة مجموعة من التحديات الهيكلية المتداخلة.

أول هذه التحديات يتمثل في خطر "فخ المنصة المتوسطة"، حيث يعتمد النموذج الحالي إلى حد كبير على استقطاب الاستثمارات الأجنبية في أنشطة التجميع والخدمات اللوجستية الموجهة للتصدير، ما يولد قيمة مضافة محدودة من حيث نقل التكنولوجيا، ويضعف الروابط مع المكون المحلي، ويقلص الأثر.

أما التحدي الثاني، فيرتبط بنموذج النمو الاقتصادي نفسه. فبعد مرحلة طويلة قاد فيها الاستثمار الحكومي في البنية التحتية دينامية التنمية، بدأت تظهر مؤشرات على تراجع العائدات لهذا الاستثمار، ما يفرض الانتقال التدريجي نحو نموذج يقوده الاستثمار الخاص المنتج. هذا الرهان يدعمه اعتماد السلطات لميثاق جديد يدعم الاستثمار بهدف رفع حصة القطاع الخاص من إجمالي الاستثمارات من الثلث إلى الثلثين.

يبرز التحدي الثالث في رأس المال البشري، حيث إن رفع مستوى المهارات يظل شرطاً حاسماً للارتقاء داخل سلاسل القيمة العالمية، خاصة في قطاعات متقدمة مثل الطيران والبطاريات والهيدروجين الأخضر، في وقت لا يزال فيه نظام التعليم والتكوين المهني غير قادر على توفير أعداد كافية من المهندسين والتقنيين والمهارات المتخصصة المطلوبة.

ويطرح يوسف كراوي الفيلالي في هذا الصدد تحديات أخرى، ترتبط بضرورة توسيع دائرة النجاح الصناعي لتشمل قطاعات أخرى، على غرار ما تحقق في السيارات والطيران، مع ضمان استفادة الشركات الصغيرة والمتوسطة من هذا التحول عبر نقل المعرفة والتكنولوجيا وزيادة نسبة المكون المحلي في الإنتاج لتحقيق قيمة مضافة أعلى للاقتصاد، وهو ما يعود إيجاباً على الوظائف والتنمية.



إقرأ المزيد