شبكة قدس الإخبارية - 6/17/2026 10:06:18 AM - GMT (+2 )
خاص - شبكة قُدس: تتحول مدينة الخليل مجددًا إلى ساحة للدعاية الانتخابية الإسرائيلية، بعدما أعلن وزير المالية في حكومة الاحتلال المتطرف بتسلئيل سموتريتش، في خطوة غير مسبوقة، إلغاء اتفاقية الخليل "بروتوكول إعادة الانتشار" الموقعة عام 1997 بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال، وذلك في إطار ما وصفه بـ"تصحيح الخطأ التاريخي، ومواصلة ثورة تنظيم الاستيطان وتعزيز الحكم وتعميق السيادة الإسرائيلية".
وسارعت المؤسسات الرسمية الفلسطينية، وكذلك الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية، إلى إدانة القرار، فيما أثار بيان مقتضب صادر عن وزارة خارجية الاحتلال، حالة من الجدل بعد نفيه صحة إعلان سموتريتش، مؤكدة أنه "لا صحة لإعلان سموتريتش عن إلغاء اتفاقية الخليل بالكامل". غير أن سموتريتش لم يتراجع عن موقفه، إذ جاء إعلانه خلال تدشين مستوطنة "ناحال دورون" المزمع إقامتها على أراضٍ غرب مدينة دورا جنوب الخليل، قبل أن ينشر عبر صفحته الرسمية على "فيسبوك" عبارة: "ألغيت اتفاقية الخليل". كما شاركه الإعلان كل من وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس ورئيس مجلس مستوطنات الخليل أليرام أزولاي.
ومن شأن القرار، إذا ما جرى المضي في تنفيذه، أن يتجاوز حدود تقويض صلاحيات بلدية الخليل في أجزاء من المدينة إلى إلغائها فعليًا لصالح "مجلس مستوطنات الخليل". كما يفتح الباب أمام فرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الحرم الإبراهيمي، بدلًا من السيطرة الحالية على أجزاء منه، رغم أن مساحته الإجمالية تتجاوز ألفي متر مربع. كذلك يندرج القرار ضمن مسار أوسع يستهدف إخضاع مدينة الخليل إداريًا لمجلس المستوطنات، تمهيدًا لضمها إلى "سلطة تطوير النقب"، استنادًا إلى مشروع قانون أقره الكنيست بالقراءة التمهيدية الأولى في 22 مايو/أيار 2024.
وقال محافظ محافظة الخليل خالد دودين، في حديث مع "شبكة قدس"، إن القرار الذي أعلنه سموتريتش يمثل تطبيقًا عمليًا بدأ يدخل حيّز التنفيذ لاستهداف مدينة الخليل عبر إلغاء اتفاق الخليل. وأضاف أن "تصريح سموتريتش يعكس سلوك عصابات لا علاقة له بأي قوانين أو أنظمة، وإنما يعبر عن شخص فاشي ومجرم".
وأوضح دودين أن الأرض التي استولى عليها الاحتلال لإقامة مستوطنة "ناحال دورون"، والتي أُعلن منها عن إلغاء الاتفاق، هي أرض فلسطينية مملوكة ملكية خاصة، ولا توجد فيها أي عمليات بيع أو تسريب لصالح الجماعات الاستيطانية.
وفي ما يتعلق بالحرم الإبراهيمي، الذي يُعد بوابة أساسية لتطبيق القرار، بيّن دودين أن القرار يخالف القانون الدولي، مؤكداً أنه حتى في حال إلغاء اتفاقية الخليل، فإن ذلك لا يمنح الاحتلال الحق في وضع اليد أو فرض السيطرة على الحرم الإبراهيمي، باعتبار أن الحرم والبلدة القديمة في الخليل مناطق محتلة. وأضاف أن القانون الإسرائيلي لا يسري على مدينة الخليل، وأن هذا الإجراء من الناحية القانونية باطل ومرفوض.
وتابع دودين قائلاً: "قرار سموتريتش مرفوض، ولن نعترف به، وجميع القرارات الصادرة بحق الخليل أحادية الجانب، وبالنسبة لنا كأنها لم تكن". وأشار إلى أن الحرم الإبراهيمي مسجل في منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي، وأن البلدة القديمة في الخليل فلسطينية خالصة، كما أن مدينة الخليل جزء من الأراضي المحتلة عام 1967 وفق القانون الدولي، ما يعني عدم امتلاك سموتريتش أو غيره أي صلاحية قانونية لتغيير الأنظمة القائمة قبل ذلك التاريخ.
واعتبر دودين أن تصريحات سموتريتش تأتي في سياق الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، موضحًا أنه "كلما اقتربت الانتخابات داخل إسرائيل نشهد تصعيدًا جديدًا وجرائم جديدة واعتداءات متكررة من قبل الاحتلال والمستوطنين، وسموتريتش يمثل ذروة اليمين المتطرف في هذا السياق". وأضاف أن ما يجري هو مشروع انتخابي لا يغيّر من الواقع شيئًا، ويهدف إلى حشد أصوات المستوطنين عبر خطوات على الأرض.
وتساءل دودين: "هل يملك سموتريتش أصلًا صلاحية التوقيع على قرار إلغاء اتفاقية الخليل؟ نحن لم نبلغ بأي شيء، وما يجري هو إجراءات أحادية الجانب ينفذها الاحتلال، سواء تعلق الأمر بإلغاء اتفاقية الخليل أو بالسيطرة على الحرم الإبراهيمي". وأشار إلى أن هذه الإجراءات تتم دون أي تبليغ رسمي، وربما حتى دون علم حكومة الاحتلال نفسها.
وأكد أن هذه خطوات انتخابية صادرة عن شخصية متطرفة، على حد وصفه، مضيفًا أن "نحن لا نعترف بهذه القرارات ولا نقرّها، ولن نرضخ لها لأنها لن تغيّر من الواقع شيئًا".
وفي ما يتعلق بالمسار القانوني، أوضح دودين أن بلدية ومحافظة الخليل لن تتوجه إلى المحاكم الإسرائيلية، لأنها تعتبرها جزءًا من منظومة الاحتلال، مشددًا على أن الخليل أراضٍ محتلة وليست خاضعة للقضاء الإسرائيلي. وأكد في المقابل استمرار التحرك باتجاه الضغط الدولي لوقف هذه الإجراءات، إلى جانب تعزيز الحضور الشعبي في الحرم الإبراهيمي والبلدة القديمة.
ويرى رئيس بلدية الخليل يوسف الجعبري، في حديث مع "شبكة قدس" الإخبارية، أن تصريحات سموتريتش تأتي استكمالًا للاعتداء على مبنى بلدية الخليل التاريخي والاستيلاء عليه في منطقة عين عسكر في البلدة القديمة منتصف الشهر الماضي، مشيرًا إلى أن المستهدف الأساسي من هذه القرارات هو بلدية الخليل التي تُعد الجهة المسؤولة عن تقديم الخدمات للمدينة بالكامل وفق اتفاقية الخليل.
وأضاف الجعبري أن هناك ممارسات احتلالية واضحة تهدف إلى تكثيف الوجود الاستيطاني في قلب مدينة الخليل، إلى جانب الاعتداء على صلاحيات البلدية كافة، لافتًا إلى أن البلدية تخوض اليوم معركة مباشرة مع حكومة الاحتلال الإسرائيلي لإثبات وجودها. وأكد أن بلدية الخليل تعمل ضمن اتفاقيات قائمة، وهي أقدم عمرًا من هذا الاحتلال.
وتابع أن بروتوكول الخليل وُقّع برعاية أمريكية، ووقّعه رئيس الاحتلال الحالي بنيامين نتنياهو، ما يعني أن سموتريتش يتجاوز في مواقفه كلًا من نتنياهو والإدارة الأمريكية، وهو ما يعكس خطورة التصريح، بحسب قوله، داعيًا العالم إلى تحمل مسؤولياته. وأوضح أن هناك مواثيق دولية قائمة تمنع أي جهة إسرائيلية من إنشاء جسم بلدي للمستوطنين ليكون بديلًا عن بلدية الخليل القائمة.
واعتبر الجعبري أن ما يجري في الخليل من إجراءات تهويد يتم في قلب المدينة نفسها، وليس في مناطق مصنفة (ج)، مشيرًا إلى أن ذلك يعكس أهدافًا انتخابية لدى سموتريتش تهدف إلى كسب أصوات المستوطنين بحجة الأهمية الدينية للمدينة. وأضاف أن سموتريتش يسعى إلى استرضاء المستوطنين عبر إقامة بؤر استيطانية والاستيلاء على مزيد من المباني، وعندما لم يحقق ذلك الأثر المطلوب على شعبيته، اتجه إلى الاستيلاء على أحد أهم مباني بلدية الخليل، ثم أراضٍ تابعة لها، وصولًا إلى محاولة السيطرة على صلاحيات البلدية، في إطار توجيه رسالة سياسية للمستوطنين مفادها تقديم مكاسب في مدينة يعتبرونها مقدسة، على غرار القدس، التي تُطرح باعتبارها والخليل توأمين في المكانة والأهمية.
وفي معرض رده على سؤال حول آليات مواجهة القرار، أوضح الجعبري أنه في حال كان الأمر يتعلق بالاستيلاء على مبنى فقط لتمت مواجهته عبر القضاء، إلا أن ما يجري اليوم هو سحب صلاحيات وإلغاء اتفاقيات، وهو ما لا يتوفر له مسار قضائي. وأكد أن المطلوب هو تدخل الجهات التي أبرمت الاتفاقيات أو رعتها، باعتبار أن بروتوكول الخليل منح بلدية الخليل صلاحياتها على كامل المدينة، وأن الإدارة الأمريكية إلى جانب الداعم الأوروبي كانت من رعاة هذا الاتفاق، وبالتالي فإن عليها تحمل مسؤولياتها تجاه ما يجري.
وأشار إلى أن البلدية تعمل على المستوى الخارجي لحشد موقف دولي تجاه التطورات في الخليل، من خلال علاقات التوأمة مع بلديات ومؤسسات دولية، إضافة إلى التحرك عبر السفارات والقنوات الدبلوماسية من خلال وزارة الخارجية.
أما على الصعيد الرسمي الفلسطيني، فأكد الجعبري ضرورة عقد اجتماع عاجل للحكومة الفلسطينية في مقر بلدية الخليل، باعتباره الحد الأدنى المطلوب، على أن يصدر عنه موقف رسمي يؤكد أن بلدية الخليل بلدية فلسطينية منتخبة. وبيّن أن هذه الخطوة من شأنها أن تشكل ردًا مباشرًا على محاولات إنشاء جسم بلدي موازٍ أو إلغاء الاتفاقية، وأن تعزز مفهوم السيادة الفلسطينية من خلال البلدية ومؤسساتها.
واختتم الجعبري بالقول إن بلدية الخليل تواجه حكومة إسرائيلية تدعم الاستيطان داخل المدينة نفسها، إلى جانب دعم من جمعيات أمريكية تضخ مليارات الشواقل بهدف إنشاء كيان بلدي داخل الخليل، ما يستدعي، بحسب تعبيره، توفير دعم مالي وسياسي مماثل لتعزيز صمود المدينة وسكانها في مواجهة هذه الإجراءات.
وفي قراءة تحليلية للقرار، يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي عادل شديد، في حديث مع "شبكة قدس"، أن ما أعلنه سموتريتش لا يُعد قرارًا جديدًا بقدر ما هو إعلان سياسي لقرار حكومي سابق اتُّخذ قبل أشهر برئاسة بنيامين نتنياهو، جرى طرحه اليوم في مناسبة اعتبرها سموتريتش منصة مناسبة للإعلان عنه.
ويشير شديد إلى أن القرار يندرج ضمن مسار سياسي يهدف إلى عزل البلدة القديمة في الخليل عن محيطها الديموغرافي والجغرافي، والتعامل معها كمنطقة ذات طابع إداري إسرائيلي، بما يعكس توجهًا نحو إعادة تشكيل واقع المدينة.
وفي ما يتعلق بالتعامل الفلسطيني، يرى الباحث أن المطلوب تحرك متعدد المستويات، يبدأ من اعتبار القرار مساسًا ببنود ملحق اتفاق الخليل ضمن اتفاقية أوسلو، ما يستدعي مواجهته سياسيًا وقانونيًا، إلى جانب خطوات ميدانية مقابلة على الأرض. كما يدعو إلى إعادة النظر في طبيعة العلاقة مع "إسرائيل"، وعدم الاستمرار في التعامل معها كـ"شريك"، بل كقوة احتلال، وفق تعبيره، مع إعادة بحث بعض مواد الميثاق الوطني التي جرى تعديلها سابقًا.
ويضيف شديد أن تنفيذ القرار، في حال تطبيقه عمليًا، قد يفتح الباب أمام فرض وقائع سيادية إسرائيلية تدريجية، من خلال نقل الصلاحيات من مؤسسات فلسطينية إلى جهات إسرائيلية، بما يجعل الخليل، في بعض جوانبها الخدمية والإدارية، أقرب إلى نمط إدارة المدن داخل الاحتلال، وهو ما يندرج ضمن مفهوم الضم الفعلي.
وعن توقيت القرار، يوضح أنه قد يرتبط بسياق استيطاني وبمناسبات رمزية، مشيرًا إلى أن إعلانه تزامن مع فعالية مرتبطة بإقامة مستوطنة جديدة قرب الخليل. لكنه يشدد على أن الأهم هو ما سيترتب على التنفيذ، الذي قد يشمل تقليص دور بلدية الخليل ومؤسسات الحكم المحلي ودوائر التنظيم والتسجيل، ونقل الصلاحيات تدريجيًا إلى جهات إسرائيلية، بما يفتح الطريق أمام توسع استيطاني أوسع، يشمل عمليات هدم وبناء جديدة لصالح المستوطنين، على حساب الوجود الفلسطيني، وفق تقديره.
ويرى الباحث أن هذا المسار، في حال استمراره، يقود إلى عملية تهجير وإحلال وتهويد ممنهجة في المدينة، مع انعكاسات مباشرة على الحرم الإبراهيمي، الذي قد يخضع لإدارة مؤسسات دينية وبلدية استيطانية، في ظل تطورات قانونية إسرائيلية سابقة، بينها رفض المحكمة العليا التماسًا قدمته بلدية الخليل ضد إقامة بلدية استيطانية في المنطقة.
ويضيف شديد أن التقليل من جدوى القرار لا يعكس واقعًا دقيقًا، إذ إن آليات التنفيذ، حين تبدأ فعليًا، ستكون مدعومة بمنظومة أمنية وإدارية إسرائيلية كاملة، ما يمنح القرار قابلية تطبيق عالية على الأرض.
كما يعتبر أن الموقف الرسمي الإسرائيلي، بما في ذلك بيان وزارة الخارجية في حكومة الاحتلال الذي نفى تصريحات سموتريتش، يعكس توزيع أدوار داخل المنظومة السياسية الإسرائيلية، حيث يُحافظ الخطاب الدبلوماسي على اتفاق الخليل شكليًا، بينما يجري تفريغه عمليًا من مضمونه عبر خطوات تنفيذية تدريجية.
ويخلص شديد إلى أن القرار لا ينفصل عن سياق سياسي داخلي إسرائيلي أوسع، وقد يكون جزءًا من حسابات مرتبطة بالانتخابات المقبلة، بهدف خلق وقائع ميدانية يصعب التراجع عنها مستقبلاً، خاصة في ما يتعلق بمشاريع الاستيطان والتهويد في مدينة الخليل.
إقرأ المزيد


