شبكة راية الإعلامية - 6/17/2026 3:03:25 PM - GMT (+2 )
الكاتب: د. سناء أبوشنب الشرافي – باحثة مختصة في قضايا العمل والحماية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية
كاتب رأي
في الوقت الذي تواصل فيه الجامعات الفلسطينية تخريج عشرات الآلاف من الشباب سنوياً، تتسع دائرة البطالة وتتراجع قدرة الاقتصاد على استيعاب كثير منهم، لتتحول الشهادة الجامعية بالنسبة لكثيرين من بوابة للتشغيل إلى محطة انتظار طويلة على قوائم الباحثين عن فرصة عمل. فقد خرّجت مؤسسات التعليم العالي الفلسطينية في العام الدراسي 2022/2023 أكثر من 45 ألف خريج وخريجة، في وقت يعجز فيه الاقتصاد الفلسطيني عن توفير فرص عمل تستوعب كثيراً من هذه الطاقات والكفاءات، الأمر الذي يوسع الفجوة بين التعليم والتشغيل عاماً بعد عام.
لفهم هذه المفارقة، لا يكفي النظر إلى أرقام البطالة والخريجين فقط، بل يجب النظر إلى طبيعة سوق العمل الفلسطيني نفسه، فالقوة العاملة الفلسطينية تتركز تاريخياً في ثلاثة قطاعات رئيسية: الوظيفة العامة في مؤسسات السلطة الوطنية والأجهزة الأمنية، والقطاع الخاص الفلسطيني، والعمل داخل الخط الأخضر، وقد تشكلت هذه المسارات في ظل ظروف سياسية واقتصادية استثنائية فرضها الاحتلال على مدى عقود، حيث أصبح جزء كبير من التشغيل والدخل مرتبطاً بعوامل لا يستطيع الاقتصاد الفلسطيني التحكم بها.
واليوم يتضح أن جوهر الأزمة لا يكمن في عدد الخريجين أو نوعية التخصصات فحسب، بل في طبيعة سوق العمل الذي تشكّل عبر عقود من التبعية الاقتصادية، حتى أصبح الاقتصاد الفلسطيني عاجزاً عن استيعاب جزء كبير من رأس ماله البشري، رغم الحاجة الماسّة إليه في مسار التنمية الوطنية.
إعادة هندسة سوق العمل الفلسطيني
منذ عام 1967، لم يقتصر أثر الاحتلال على فرض قيود حدّت من نمو الاقتصاد الفلسطيني، بل امتد إلى إعادة تشكيل بنية سوق العمل نفسها. فبينما تعرضت القطاعات الإنتاجية، وخاصة الزراعة والصناعة، لتراجع مستمر نتيجة السيطرة على الأراضي والموارد وفرض القيود على الاستثمار، جرى تشغيل أعداد متزايدة من العمال الفلسطينيين في سوق العمل الإسرائيلي، لا سيما في البناء والزراعة والخدمات.
ومع تزايد اعتماد الأسر الفلسطينية على الدخل المتأتي من العمل داخل الخط الأخضر، تراجعت أهمية تطوير مسارات إنتاجية محلية قادرة على توظيف القوى العاملة المتنامية، وهكذا ساهم الاحتلال الإسرائيلي في إعادة توجيه مسارات العمل والدخل بما عزز التبعية الاقتصادية وأضعف قدرة السوق المحلية على خلق فرص عمل مستدامة.
اقتصاد التصاريح وانكشاف هشاشة النموذج الاقتصادي
لم يتوقف تأثير العمل داخل الخط الأخضر على توفير فرص عمل وأجور أعلى فحسب، بل أدى مع مرور الوقت إلى نشوء ما يمكن تسميته "اقتصاد التصاريح"، حيث إنَّ الوصول إلى مصدر الدخل أصبح مرهوناً بتصاريح عمل تخضع لاعتبارات وإجراءات تقع خارج سيطرة الاقتصاد الفلسطيني. وبذلك، لم يعد التصريح مجرد وثيقة إدارية لتنظيم حركة العمال، لكنه تحول إلى أداة مؤثرة في تشكيل سوق العمل وتوزيع فرص التشغيل.
قبيل عام 2023، كان ما يقارب 200 ألف عامل فلسطيني يعملون داخل الخط الأخضر والمستوطنات، مما جعل دخل شريحة واسعة من الأسر الفلسطينية مرتبطاً باستمرار الوصول إلى هذا السوق. ومع اتساع هذا النمط، تجاوز أثر التصريح العامل نفسه ليمتد إلى القرارات الاقتصادية للأسر، ومستويات الاستهلاك، والاستقرار المالي لقطاعات واسعة من المجتمع.
وإذا كانت الضفة الغربية قد خضعت لنموذج اقتصادي قائم على التبعية لسوق العمل الإسرائيلي، فإن قطاع غزة يمثل الوجه الأكثر قسوة لهذا التدخل، حيث أدى الحصار والتدمير الممنهج للقدرات الإنتاجية إلى تحويله إلى بؤرة لأعلى معدلات البطالة في العالم، ليصبح التحدي هناك متجاوزاً لأزمة التشغيل نحو تآكل مقومات الإنتاج والحياة ذاتها.
كما شكّلت أحداث ما بعد السابع من أكتوبر 2023 اختباراً حقيقياً لهذا النموذج؛ فمع تعليق معظم تصاريح العمل ومنع العمال من الوصول إلى أماكن عملهم، والعقوبات المفروضة من حجز ونهب أموال المقاصة، فقد عشرات الآلاف مصادر دخلهم خلال فترة قصيرة، وامتدت التداعيات إلى الأسواق المحلية والقطاع الخاص وحركة الاستهلاك، وتكشفت الأزمة بفقدان الوظائف، وأظهرت حجم الاعتماد على مصادر دخل تقع خارج سيطرة الاقتصاد الفلسطيني وقدرته الذاتية على الإنتاج والتشغيل.
الفجوة بين التعليم والتشغيل: عندما يصبح الاستثمار في الإنسان بلا أفق
أثرت التحولات التي شهدها سوق العمل الفلسطيني على التشغيل والدخل، وامتدت إلى الآليات التي توجه الاستثمار في التعليم والمهارات. ففي الظروف الطبيعية، يعمل سوق العمل على إرسال إشارات اقتصادية تشجع الأفراد على اكتساب المعارف والمهارات التي يحتاجها الاقتصاد، من خلال ربط التعليم والإنتاجية بمستويات الأجور وفرص التقدم المهني، لكن وجود فرص العمل للفلسطينيين خارج الاقتصاد المحلي أضعف هذه العلاقة تدريجياً.
أزمة التشغيل الفلسطينية لا تعكس نقصاً في التعليم أو الكفاءات بقدر ما تبين محدودية قدرة الاقتصاد على استثمارها، ولذلك أصبحت ظواهر مثل ارتفاع البطالة بين الخريجين، واتساع الاقتصاد غير المنظم، وتزايد الاعتماد على الأعمال الفردية والهامشية، مؤشرات على فجوة متنامية بين ما ينتجه النظام التعليمي وما يستطيع الاقتصاد استيعابه فعلياً.
تزايدت هذه الفجوة بفعل الثقافة المجتمعية السائدة تجاه التعليم والعمل، حيث ما زالت الشهادة الجامعية تُنظر إليها في كثير من الأحيان باعتبارها المسار الأكثر ضماناً للنجاح المهني، في حين لا يحظى التعليم المهني والتقني بالمكانة التي تتناسب مع أهميته الاقتصادية. هذا وتلعب الأسرة دوراً مؤثراً في توجيه الخيارات التعليمية للأبناء، الأمر الذي يجعل بعض القرارات التعليمية أقرب إلى الاعتبارات الاجتماعية منها إلى احتياجات سوق العمل وفرص التشغيل المستقبلية.
نحو نموذج اقتصادي أكثر استدامة
تكشف التجربة الفلسطينية أن أزمة التشغيل لا تنحصر على نقص فرص العمل، بل تعود لطبيعة النموذج الاقتصادي الذي تشكّل خلال العقود الماضية، فقد أظهرت دراسات عديدة أن النمو في الاقتصاد الفلسطيني لم يقترن بنمو موازٍ في القطاعات الإنتاجية القادرة على توليد فرص تشغيل طويلة الأمد، لكن تركز جزء كبير من التشغيل والدخل في فلسطين على سوق العمل الإسرائيلي. وتُشير بيانات معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني (ماس) إلى أن تحويلات العمال الفلسطينيين في إسرائيل شكلت ما يقارب 13% من الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني عام 2017، وارتفعت في السنوات التي سبقت الحرب لتقترب من 17%، مما يعكس الاعتماد الكبير على العمالة داخل الخط الأخضر في دعم النشاط الاقتصادي.
ومن هنا، فإن معالجة أزمة التشغيل تتطلب ما هو أبعد من توفير فرص عمل بديلة أو برامج تشغيل مؤقتة؛ فهي تستدعي إعادة توجيه السياسات الاقتصادية لبناء قاعدة إنتاجية وطنية قادرة على خلق فرص عمل، عبر توجيه الاستثمارات نحو القطاعات المرتبطة بالطلب المحلي، وتعزيز الصناعة والزراعة الحديثة، وتطوير سلاسل الإنتاج، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وربط التعليم والتدريب باحتياجات القطاعات ذات الأولوية.
إن بناء اقتصاد صامد لا يعتمد على السياسات الحكومية فحسب، بل يتطلب ترسيخ ثقافة مجتمعية تُدرك الارتباط الوثيق بين الاستهلاك والإنتاج والتشغيل؛ فكل إنفاق على منتج أو خدمة محلية يسهم في دعم منشأة فلسطينية، ويوفر دخلاً لعامل، ويعزز دوران رأس المال داخل الاقتصاد الوطني. لذا، فإن دعم المنتج الوطني هو أداة لتوسيع القاعدة الإنتاجية وتعزيز فرص التشغيل. إن التحول المطلوب اليوم ليس في استبدال مصدر دخل بآخر، بل في استعادة الوظيفة الأساسية للاقتصاد الفلسطيني بوصفه منتجاً للوظائف لا مصدراً للعمالة أو البطالة، وهو ما يستوجب انتقالاً تدريجياً نحو نموذج اقتصادي يرتكز على الإنتاج والمهارات والقيمة المضافة، ويعتمد على توسيع القاعدة الإنتاجية المحلية وتعزيز قدرة القطاعات الاقتصادية على الاستثمار في رأس المال البشري الفلسطيني؛ فكلما تعاظمت مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي، وارتفعت قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجاته ذاتياً، زادت فرص خلق الوظائف وتحقيق تنمية مستدامة وأكثر استقلالاً.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
إقرأ المزيد


